في ذكرى رحيله.. الشيخ عامر السيد عثمان إمام القراءات وصانع جيل عمالقة التلاوة
في مثل هذا اليوم، تستعيد الأمة الإسلامية ذكرى رحيل واحد من أعظم أعلام القراءات في العصر الحديث، الشيخ عامر السيد عثمان، شيخ المقارئ المصرية وأحد أبرز حراس القرآن الكريم في القرن العشرين، والذي ترك بصمة خالدة في علوم التلاوة والتجويد والإقراء، حتى صار اسمه مقرونًا بالدقة العلمية والإتقان القرآني، وامتدت مدرسته إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي عبر تلاميذه ومؤلفاته وأعماله العلمية.
ورغم مرور سنوات طويلة على وفاته، ما زالت سيرته تُتداول داخل أروقة الأزهر، وبين علماء القراءات، وفي حلقات التحفيظ والإقراء، باعتباره أحد الرجال الذين وهبوا حياتهم كاملة لخدمة كتاب الله، علمًا وتعليمًا وتحقيقًا ومراجعةً وإشرافًا
السيرة الذاتية للشيخ عامر السيد عثمان شيخ المقارئ المصرية
وُلد الشيخ عامر السيد عثمان في السادس عشر من مايو عام 1900 بقرية ملامس التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية، داخل بيئة ريفية محافظة امتلأت بحب القرآن الكريم واحترام أهله وحفظته، ومنذ سنوات طفولته الأولى ظهرت عليه علامات النبوغ والذكاء وقوة الحفظ، فحفظ القرآن الكريم صغيرًا، ولفت أنظار شيوخ بلدته بحسن صوته ودقة نطقه.
ولم يكن حفظ القرآن بالنسبة له مجرد مرحلة تعليمية عابرة، بل كان بداية مشروع عمر كامل ارتبط بكتاب الله تعالى، إذ اتجه بعد الحفظ إلى دراسة أحكام التجويد ومخارج الحروف وصفات الأداء، فجلس بين يدي الشيخ عطية سلامة، ثم تلقى علوم الأداء والقراءات على يد الشيخ إبراهيم البناسي، الذي أخذ عنه القراءات العشر الصغرى من طريقي الشاطبية والدرة.
لم يكتفِ الشيخ الشاب بما حصّله في بلدته، بل حمل حلمه العلمي وارتحل إلى القاهرة، التي كانت آنذاك مركز العلوم الإسلامية وملتقى كبار العلماء والقراء. وهناك بدأ مرحلة جديدة أكثر عمقًا وصعوبة في دراسة القراءات العشر الكبرى من طريق “طيبة النشر”.
والتحق بحلقات العلامة الشيخ علي بن عبد الرحمن سبيع، أحد كبار علماء القراءات في عصره، لكن وفاة الشيخ قبل إتمام الختمة شكّلت تحديًا كبيرًا أمام تلميذه النابه، غير أن عامر السيد عثمان لم يتوقف، بل واصل رحلته العلمية على يد الشيخ همام قطب عبد الهادي، حتى أتم القراءات العشر الكبرى عام 1927، جامعًا بين العلم النظري والإتقان العملي الدقيق.
وكان معاصروه يؤكدون أن الشيخ عامر امتلك ذاكرة استثنائية، وقدرة نادرة على ضبط أوجه القراءات وتحريراتها، حتى صار مرجعًا لطلاب العلم وشيوخ الإقراء في مسائل الأداء والروايات المختلفة.
التحق الشيخ بالأزهر الشريف، وتفرغ لدراسة العلوم الشرعية واللغوية، فجمع بين علوم القرآن وعلوم العربية والفقه، وهو ما منحه شخصية علمية متكاملة انعكست على طريقته في التعليم والإقراء.
وفي عام 1935 أقام حلقة علمية خاصة به داخل الجامع الأزهر، تحولت مع الوقت إلى واحدة من أهم حلقات تعليم القراءات في مصر، حيث توافد عليها الطلاب من مختلف المحافظات، بل ومن خارج البلاد أيضًا.
وعُرف الشيخ وسط طلابه بالصرامة العلمية الشديدة، فلم يكن يسمح بالتهاون في مخارج الحروف أو أوجه الأداء، وكان يؤمن أن خدمة القرآن لا تحتمل المجاملة أو التقصير، لذلك خرج من تحت يديه جيل كامل من كبار القراء الذين أصبحوا فيما بعد رموزًا للتلاوة في العالم الإسلامي
من المعلومات التي لا يعرفها كثيرون عن الشيخ عامر السيد عثمان أنه كان يُلقب بين المتخصصين بـ شيخ المحررين، بسبب دقته الاستثنائية في مراجعة المصاحف وضبط الكلمات والروايات وأوجه القراءات.
وقد استعانت به جهات علمية كبرى لمراجعة المصاحف قبل طباعتها، وكان يقضي ساعات طويلة في تدقيق الآيات والرسم العثماني وعلامات الضبط، حتى أصبح اسمه ضمانة علمية لأي عمل قرآني يُنشر.
كما عُرف بولعه الشديد بالمخطوطات القديمة، وكان يمتلك مكتبة ضخمة تضم نوادر كتب القراءات والتجويد، وكان يقارن بين النسخ المختلفة بنفسه، ويكتب ملاحظاته الدقيقة بخط يده.
ويُروى عن بعض تلاميذه أنه كان يستطيع اكتشاف أي خطأ في المصحف بمجرد النظر السريع، سواء كان متعلقًا بالرسم أو الضبط أو علامات الوقف، وهو ما جعل كبار العلماء يثقون في علمه وأمانته بشكل كبير.
في عام 1945 عُيّن الشيخ مدرسًا بقسم تخصص القراءات بكلية اللغة العربية بالأزهر الشريف، واستمر في التدريس حتى عام 1968، وخلال تلك السنوات الطويلة صنع مدرسة قرآنية متكاملة خرّجت أشهر الأصوات القرآنية في العصر الحديث.
ومن أبرز تلاميذه:
محمود خليل الحصري
مصطفى إسماعيل
عبد الباسط عبد الصمد
كامل البهتيمي
صادق قمحاوي
رزق خليل حبة
وكان الشيخ عامر لا يكتفي بتعليمهم الأحكام النظرية، بل كان يهتم ببناء الشخصية القرآنية للقارئ، ويُعلّمهم هيبة التلاوة وآداب التعامل مع كتاب الله، لذلك خرج كثير من تلاميذه وهم يحملون طابع مدرسته في الدقة والإتقان والخشوع.
من أبرز الأدوار التاريخية التي قام بها الشيخ عامر السيد عثمان إشرافه على تسجيل المصاحف المرتلة والمجودة بالإذاعة المصرية، وهي التسجيلات التي أصبحت لاحقًا جزءًا من الذاكرة الإسلامية في العالم كله.
فقد شارك في مراجعة تسجيلات كبار القراء، والتأكد من سلامة الأداء والأحكام، وكان عضوًا مهمًا في لجان اختيار القراء بالإذاعة والتلفزيون المصري.
ويرى متخصصون في القراءات أن الشيخ عامر كان أحد العقول الرئيسية التي ساهمت في صناعة ما يُعرف بالعصر الذهبي للتلاوة المصرية، لأن معظم أعلام ذلك العصر مرّوا من خلال مدرسته أو تلقوا عنه بشكل مباشر أو غير مباشر.
تدرج الشيخ في المناصب العلمية داخل مشيخة المقارئ المصرية، فعمل مفتشًا ثم وكيلًا للمشيخة، حتى تولى منصب شيخ المقارئ المصرية عام 1980، وهو المنصب الأعلى في علوم الإقراء داخل مصر.
وخلال فترة توليه المشيخة، واصل جهوده في تطوير حلقات الإقراء، وتوحيد أساليب التعليم، ونشر علوم القراءات، كما كان حريصًا على السفر إلى المحافظات المختلفة لإلقاء المحاضرات والدروس العلمية المتخصصة.
وكانت شخصيته تجمع بين الهيبة والتواضع، إذ عرفه الجميع بدماثة الخلق والزهد والانشغال الدائم بالعلم والقرآن.
في عام 1985 سافر الشيخ إلى المدينة المنورة، حيث عمل مستشارًا لـ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، وهناك واصل رسالته في مراجعة المصاحف وضبطها والإشراف على الأعمال العلمية المتعلقة بطباعة القرآن الكريم.
وكان وجوده داخل المجمع يمثل قيمة علمية كبيرة، خاصة لما عُرف عنه من خبرة واسعة في الرسم والضبط والتحرير.
وظل الشيخ يعمل ويُعلّم حتى آخر سنوات عمره، غير منقطع عن خدمة القرآن ولو للحظة واحدة.
مؤلفات وتحقيقات علمية صنعت مرجعًا للأجيال
ترك الشيخ عامر السيد عثمان تراثًا علميًا مهمًا في مجال القراءات، من أبرز مؤلفاته:
“تنقيح التحرير في تحرير القراءات العشر”
تحقيق الجزء الأول من كتاب “لطائف الإشارات” للإمام القسطلاني
المشاركة في تحقيق كتاب “اجتهاد السبعة” لابن مجاهد
وقد تميزت أعماله بالدقة والتحقيق العميق والاعتماد على أمهات المخطوطات، لذلك أصبحت مراجع معتمدة لطلاب القراءات والباحثين.
الوفاة في المدينة المنورة والدفن في البقيع
في العشرين من مايو عام 1988، رحل الشيخ عامر السيد عثمان إلى جوار ربه في المدينة المنورة، بعد رحلة تجاوزت ثمانية عقود قضاها في خدمة القرآن الكريم.
اقرأ أيضاً.. الإفتاء تحسم الجدل: زيارة مقابر البقيع بعد الحج مستحبة لما تحمله من فضل ومكانة روحانية