الإمام الزاهد الذي انتصر للأزهر.. محطات مضيئة في حياة الشيخ عبدالحليم محمود
يظل الإمام عبد الحليم محمود واحدًا من أبرز الرموز الدينية والفكرية في تاريخ مصر والعالم الإسلامي، بعدما جمع بين العلم الغزير والتصوف والزهد والشجاعة في الدفاع عن مؤسسة الأزهر الشريف، ليترك خلفه إرثًا فكريًا وروحيًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم.
وعُرف شيخ الأزهر الأسبق بورعه الشديد وتواضعه وإحساسه العميق بالمسؤولية، كما ارتبط اسمه بمواقف وطنية ودينية خالدة، جعلته يحتل مكانة خاصة في قلوب المصريين ومحبي الأزهر داخل وخارج العالم الإسلامي.
النشأة والبدايات.. ابن قرية السلام
وُلد الإمام عبدالحليم محمود في 12 مايو عام 1910 بقرية السلام التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية، داخل أسرة عُرفت بالصلاح والتقوى والعلم، حيث كان والده من علماء الأزهر وأحد قضاة المنطقة، كما تأثر بفكر الإمام محمد عبده.
حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، قبل أن يلتحق بالأزهر الشريف عام 1923، ثم انتقل إلى معهد الزقازيق الديني عام 1925، ليبدأ رحلة علمية استثنائية أهلته ليصبح لاحقًا واحدًا من أهم علماء الأزهر في العصر الحديث.
وحصل الإمام الراحل على شهادة العالمية من كلية أصول الدين بالقاهرة عام 1932، وتتلمذ على يد كبار علماء الأزهر، من بينهم الشيخ محمود شلتوت والشيخ مصطفى المراغي.
رحلة علمية من الأزهر إلى فرنسا
لم تتوقف طموحات الإمام عند حدود الدراسة التقليدية، فسافر إلى فرنسا على نفقته الخاصة لاستكمال دراساته العليا، حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية عام 1940 عن رسالته حول الحارث المحاسبي، ليجمع بين علوم الأزهر والتراث الإسلامي والفكر الفلسفي الحديث.
وعقب عودته إلى مصر، تولى التدريس بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، ثم أصبح عميدًا لكلية أصول الدين عام 1964، قبل أن يتولى مناصب قيادية عدة داخل المؤسسة الأزهرية، أبرزها الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية ووكيل الأزهر ووزير الأوقاف.
وفي 27 مارس عام 1973، صدر قرار تعيينه شيخًا للأزهر، ليبدأ مرحلة جديدة من الإصلاح والدفاع عن استقلال المؤسسة الدينية الأكبر في العالم الإسلامي.
الإمام الذي واجه السادات دفاعًا عن الأزهر
ارتبط اسم الإمام عبدالحليم محمود بموقف تاريخي جسّد قوة شخصيته وتمسكه بمكانة الأزهر، بعدما أصدر الرئيس الراحل أنور السادات عام 1974 قرارًا يقلص صلاحيات شيخ الأزهر.
ورفض الإمام هذا القرار بشكل قاطع، وقدم استقالته احتجاجًا على ما اعتبره انتقاصًا من مكانة الأزهر ودور الإمام الأكبر، كما امتنع عن الذهاب إلى مكتبه ورفض تقاضي راتبه.
وأثارت الاستقالة حالة واسعة من الجدل والغضب داخل مصر وخارجها، ما دفع الرئيس السادات إلى التراجع عن القرار وإعادة صلاحيات شيخ الأزهر، في خطوة اعتُبرت انتصارًا تاريخيًا للمؤسسة الأزهرية.
بشارة حرب أكتوبر ومواقفه الوطنية
ومن أبرز المواقف التي ارتبطت بالإمام الراحل، رؤيته الشهيرة قبل حرب أكتوبر، حين رأى في المنام الرسول صلى الله عليه وسلم يعبر قناة السويس مع قوات الجيش المصري وعلماء المسلمين، فاعتبرها بشارة بالنصر.
وبعد اندلاع الحرب، اعتلى منبر الأزهر الشريف وألقى خطبة قوية أكد خلالها أن المعركة ضد الاحتلال الإسرائيلي هي حرب دفاع عن الوطن والعقيدة، داعيًا المصريين إلى الاصطفاف خلف الجيش والدولة.
تراث فكري خالد
ترك الإمام عبدالحليم محمود عشرات المؤلفات التي أثرت المكتبة الإسلامية، من بينها “أوروبا والإسلام”، و”التوحيد الخالص”، و”الإسلام والعقل”، و”أسرار العبادات في الإسلام”، إضافة إلى كتاباته عن التصوف وأعلامه.
وظل الإمام حاضرًا بعلمه وفكره حتى وفاته عقب عودته من أداء فريضة الحج في 17 أكتوبر 1978، بعدما تبرع بكل ما يملك، ليرحل تاركًا خلفه مدرسة فكرية وروحية ما زالت تلهم الأجيال حتى اليوم.

