د. حنان نجيب تكتب: هل تتحول الأصول إلى أرقام؟ توكنة الأصول تفتح بابًا جديدًا للاستثمار العالمي بين الفرص والتشريعات
في عالم يشهد تسارعًا غير مسبوق في التحول الرقمي، لم يعد مفهوم الاستثمار والملكية كما كان في السابق، فقد برزت توكنة الأصول(Tokenized Assets) كأحد أهم الابتكارات المالية الحديثة التي تعيد تشكيل البنية التقليدية للأسواق، من خلال تحويل الأصول الحقيقية مثل العقارات والذهب والأسهم إلى وحدات رقمية صغيرة تُعرف باسم “توكنز”، يتم تسجيلها وتداولها عبر تقنيات البلوك تشين.
ويتيح هذا النموذج الجديد تجزئة الملكية، بحيث يمكن لعدد كبير من المستثمرين امتلاك حصص صغيرة في أصول كانت في السابق تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، مما يوسع قاعدة المشاركة الاستثمارية بشكل غير مسبوق.
وتشير تقديرات مؤسسات مالية عالمية إلى أن قيمة الأصول الرقمية المرمّزة قد تتراوح بين 2 إلى 4 تريليونات دولار بحلول عام 2030، مدفوعة بتوسع استخدام تقنيات البلوك تشين في الأسواق المالية العالمية. كما تشير بعض الدراسات إلى أن هذا النموذج قد يسهم في خفض تكاليف المعاملات المالية بنسبة تتراوح بين 20% إلى 40%، نتيجة تقليل دور الوسطاء وتسريع عمليات التسوية من أيام إلى دقائق في بعض الحالات.
فعلى المستوى العالمي، بدأت العديد من الدول المتقدمة في اختبار وتطبيق هذا المفهوم ضمن أطر تنظيمية واضحة. ففي الولايات المتحدة، تخضع بعض تطبيقات التوكنة لإشراف هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، حيث يتم التعامل معها كأصول مالية خاضعة لقوانين صارمة تهدف إلى حماية المستثمرين وضمان شفافية الأسواق. وتشير التوجهات هناك إلى أن الأصول الرقمية المرمّزة قد تصبح جزءًا متزايد الأهمية من أسواق رأس المال خلال السنوات القادمة.
أما في سويسرا، فقد برزت كإحدى الدول الرائدة في هذا المجال، بعد أن اعترفت قانونيًا ببعض أنواع التوكنات كأصول مالية قابلة للتداول، مما ساهم في جذب العديد من شركات التكنولوجيا المالية العالمية. وفي سنغافورة، تبنت سلطة النقد في سنغافورة نهجًا متوازنًا يجمع بين دعم الابتكار المالي والرقابة التنظيمية، مما جعلها مركزًا إقليميًا وعالميًا لتجارب الأصول الرقمية.
وتكمن أهمية توكنة الأصول في قدرتها على معالجة العديد من التحديات في الأسواق التقليدية. فهي تسهم في زيادة السيولة، خاصة في الأصول غير السائلة مثل العقارات، حيث يمكن بيع وشراء حصص صغيرة بسهولة. كما تتيح تحسين الشفافية من خلال تسجيل جميع المعاملات على شبكات البلوك تشين بطريقة يصعب التلاعب بها، إضافة إلى تعزيز كفاءة الاستثمار عبر تقليل التكاليف وزيادة سرعة التداول، مع إتاحة فرص استثمارية بمبالغ صغيرة قد تبدأ من 10 إلى 100 دولار فقط.
ورغم هذه المزايا الكبيرة، لا تزال توكنة الأصول تواجه تحديات تشريعية وتنظيمية معقدة، أبرز هذه التحديات يتمثل في غياب تعريف قانوني موحد لطبيعة التوكن، حيث يظل السؤال قائمًا حول ما إذا كان يمثل ملكية فعلية في الأصل أم مجرد حق مالي، كما أن عدم وضوح الأطر الضريبية والتنظيمية في العديد من الدول يحد من سرعة انتشار هذا النموذج، ويثير مخاوف تتعلق بحماية المستثمرين من المخاطر والاحتيال، إضافة إلى صعوبة الاعتراف القانوني بالتوكنات في بعض الأنظمة القضائية.
وفي مصر، ما زالت توكنة الأصول في مرحلة الدراسة ولم يتم تطبيقها رسميًا حتى الآن، حيث يتم التعامل معها ضمن إطار بحثي وتنظيمي، وتتابع مؤسسات مثل البنك المركزي المصري والهيئة العامة للرقابة المالية التطورات العالمية في هذا المجال، بهدف دراسة إمكانية وضع إطار تشريعي مستقبلي ينظم هذا النوع من الأصول الرقمية بما يتماشى مع التطورات الدولية.
وفي الختام، تمثل توكنة الأصول تحولًا جذريًا في مستقبل الاستثمار العالمي، حيث تدمج بين التكنولوجيا والتمويل لإعادة تعريف مفهوم الملكية بشكل كامل. وهي ليست مجرد أداة مالية جديدة، بل بنية اقتصادية ناشئة قادرة على زيادة كفاءة الأسواق وجذب الاستثمارات وتحريك الأصول غير النشطة. ومع ذلك، فإن نجاح هذا النموذج يظل مرهونًا بوجود إطار تشريعي واضح ومرن يحقق التوازن بين دعم الابتكار وحماية المستثمرين، وهو ما يجعل السنوات المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل هذا التحول عالميًا.