رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الأزهر يحسم الجدل: الانتحار ليس مخرجًا من الألم بل بداية لحسابٍ أشد

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


في ظل تصاعد الضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها الإنسان المعاصر، خرج مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية ببيان حاسم يعيد ضبط البوصلة الدينية والفكرية تجاه واحدة من أخطر القضايا الإنسانية، وهي قضية الانتحار، مؤكدًا أن ما يُروَّج له باعتباره طريقًا للراحة ليس إلا وهمًا خطيرًا، ومخالفة صريحة لأحكام الدين الإسلامي.

البيان لم يكتفِ بالحكم الشرعي، بل قدّم معالجة شاملة تمتد إلى الأبعاد النفسية والإيمانية والوجودية، ليضع الإنسان أمام حقيقة كبرى: الحياة اختبار، والنجاة فيها لا تكون بالهروب، بل بالصبر والإيمان.

الانتحار في ميزان الشريعة

أكد المركز بشكل قاطع أن الانتحار يُعد من كبائر الذنوب في الإسلام، وأنه لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، مهما اشتدت الأزمات أو تعاظمت الضغوط.

وأوضح أن الإسلام، منذ نشأته، وضع حفظ النفس في صدارة مقاصده الكبرى، بل جعله من أعظم الضرورات التي لا يجوز التفريط فيها، حتى إنه أباح للمسلم في حالات الضرورة ارتكاب بعض المحظورات حفاظًا على حياته.

هذا التصور يعكس بوضوح قيمة النفس الإنسانية في الإسلام، حيث لا يُنظر إليها باعتبارها ملكًا خاصًا للفرد، بل أمانة إلهية يجب صونها، وعدم الاعتداء عليها بأي صورة من الصور.

وهم الراحة: تفكيك فكرة خطيرة

واحدة من أبرز النقاط التي ركز عليها البيان، هي تصحيح المفهوم الخاطئ الذي يربط بين الانتحار والراحة.

فبحسب رؤية المركز، فإن الاعتقاد بأن إنهاء الحياة قد يضع حدًا للمعاناة هو تصور زائف، يتنافى مع حقيقة الإيمان، بل ويصطدم مع طبيعة الوجود الإنساني ذاته.

المؤمن الحقيقي، كما يوضح البيان، يدرك أن الموت ليس نهاية الألم، بل بداية مرحلة جديدة من الحساب والجزاء، وأن ما بعد الموت لا يتيح فرصة للتوبة أو تصحيح المسار.

ومن هنا، فإن الإقدام على الانتحار لا يمثل خلاصًا، بل انتقالًا إلى وضع أشد خطورة، حيث يُحرم الإنسان من فرصة التدارك والإصلاح.

الدنيا دار اختبار: فلسفة الابتلاء في الإسلام

في تحليله العميق، يضع الأزهر قضية الانتحار ضمن سياق أوسع، هو فلسفة الابتلاء في الإسلام.

فالدنيا، كما يصفها البيان، ليست دار راحة واستقرار، بل ساحة اختبار ومكابدة، يتعرض فيها الإنسان لأنواع متعددة من الابتلاءات، سواء كانت في صورة نعم أو نقم.

ويستشهد البيان بقول الله تعالى:
{لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}، ليؤكد أن المعاناة جزء أصيل من التجربة الإنسانية، وليست استثناءً أو خللًا طارئًا.

كما يوضح أن الابتلاء لا يقتصر على الشرور، بل يشمل أيضًا النعم، حيث يكون الإنسان ممتحنًا في الحالتين: هل يشكر عند العطاء؟ وهل يصبر عند المنع؟

بين الخير والشر: رؤية متوازنة للواقع

من النقاط الجوهرية التي تناولها البيان، التأكيد على أن ما يراه الإنسان شرًا قد يحمل في طياته وجوهًا متعددة من الخير.

فلا وجود  وفق الرؤية الإسلامية  لشر مطلق، بل إن كل ما يقع في حياة الإنسان يحمل حكمة إلهية، قد يدركها الإنسان أو تغيب عنه.

ويستدل المركز بآيات قرآنية تؤكد هذه الحقيقة، منها:
{وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}، في إشارة إلى محدودية الإدراك البشري أمام علم الله الشامل.

هذا الفهم يُعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى الأزمات، حيث لا يراها نهاية الطريق، بل محطة تحمل في طياتها فرصًا للنمو والتزكية.


الابتلاء كأداة للتمييز: من يصبر ومن يجزع؟

يطرح البيان رؤية دقيقة للغاية حول وظيفة الابتلاء في حياة الإنسان، معتبرًا أنه ليس مجرد اختبار عابر، بل وسيلة لتمييز الناس، وكشف معادنهم الحقيقية.

فالشدائد، بحسب هذا الطرح، تكشف الصابر من الساخط، والمؤمن من الجاحد، وتُظهر مدى صدق الإنسان في إيمانه.

ويشير المركز إلى أن هذه السنّة الإلهية ثابتة عبر العصور، لم يخلُ منها زمان، ولم يسلم منها أحد، مؤكدًا أن التفاوت بين الناس إنما يظهر في طريقة تعاملهم مع هذه الابتلاءات.

 

 

تم نسخ الرابط