عمرو عامر يكتب: إمبراطورية "التوك توك" وخطيئة دينا غبور
في لقاء قريب له بوسائل الإعلام، تحدث رجل أعمال شهير عن تلقيه مكالمة هاتفية من سيدة الأعمال دينا غبور، تعرض عليه فيها تمويل برامج تقسيط "التوك توك" قائلة: (عشان نبيع أكتر ونغري الناس تشتريه رخيص وهينتشر بقوة في السوق)، وقد كان.. وصدقت توقعات "غبور الابنة"، فانتشر "التوك توك" كالسرطان في شوارع مصر، يجري كـ "ملايين الدود" في الأزقة والحواري والشوارع، وفي المراكز وعواصم أغلب المحافظات. وللتوضيح؛ لسنا ضد أي منظومة بشرط أن تُدرس وتُنفذ بدقة، ويُحسب لها العواقب قبل المكاسب.
ولنكن صرحاء.. "التوك توك" لم ينتشر في مصر لأنه الأفضل، بل لأنه الأسهل؛ والأسهل هنا لم يكن فقط للفقراء الذين يبحثون عن رزق، بل أيضًا لشركات كبرى مثل "جي بي غبور أوتو"، التي رأت في الفراغ فرصة: استيراد واسع، تقسيط مريح، سوق مفتوح بلا سقف، ومليارات الجنيهات السهلة التي تقفز بأرقام الثروات الشخصية. ووسط غياب التنظيم، تحوّلت وسيلة نقل بسيطة إلى اقتصاد كامل خارج السيطرة؛ فلا تراخيص كافية، ولا رقابة حقيقية، ولا خطوط سير واضحة، لكن في المقابل انتشار كاسح وأرباح ضخمة.
منظومة فاسدة استغلتها غبور
المشكلة ليست في شركة تسعى للربح، بل في منظومة سمحت بأن يتم هذا الربح على أرض بلا قواعد، والنتيجة نعيشها كل يوم: شوارع مزدحمة، فوضى مرورية، ضوضاء، واقتصاد غير رسمي يبتلع كل شيء، "التوك توك" ليس أصل الأزمة، لكنه أكبر دليل عليها، وصار كارثة على أرض الواقع يستعصي حلها، أو على وجه التحديد: لا أحد يملك الحلول، حتى هؤلاء الذين صنعوا إمبراطورية "التوك توك" في مصر وعلى رأسهم دينا غبور، التي ربما تكون أبعد أطراف الأزمة عن الإحساس بها؛ إذ لا تطأ قدماها الحارات والشوارع الضيقة والقرى والمراكز والكفور والمدن لترى حالة الفوضى التي سببها مشروعها القديم.. فـ "التوك توك" لا يقترب من "الكمبوندات" الفاخرة للأثرياء ولا يصل لمنتجعاتهم.
قصة "التوك توك" ليست مجرد حكاية وسيلة نقل شعبية، بل نموذج صارخ لكيفية استغلال فجوة شعبية لفئات معينة، والمصالح التجارية الكبرى والغياب الحكومي، وإذا كانت "جي بي غبور أوتو" لم تخترع "التوك توك"، إلا أنها حولته من ظاهرة هامشية في أطراف المدن إلى سوق بمليارات الجنيهات.
مسؤولية غبور عن فوضى الشارع
في "العالم الحر"، إذا حدث ضرر ما لمستهلك أو لمجتمع، تتم محاسبة صاحب المصلحة؛ ورأينا شركات تدفع مليارات الدولارات تعويضات للمتضررين، فهل يجرؤ أحد على مطالبة "آل غبور" بدفع جزء من أرباح بيزنس "التوك توك" لعلاج بعض الكوارث التي سببها انتشاره الكبير في الشوارع؟ صحيح أن الدولة وقتها تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية لأنها غضت الطرف عن مهزلة "التوك توك" حتى صار وحشاً يصعب إيقافه، لكن في المقابل يبقى الفاعل معلوماً وحاضراً ومتفاخراً بأنه كان صاحب أكبر توكيل استيراد "تكاتك" في مصر، وأنه من صنع الفوضى المرورية، ومسؤولاً عن الضوضاء والتشوه البصري الذي يلتهم أي محاولة للتطوير الحضاري.
هل هناك طريقة لتحميل دينا غبور وشركتها تكاليف "علاج سرطان التوك توك" وتحمل جزء من تكلفة إعادة ترويضه وتنظيمه، أم أنها اكتفت بإلقاء الكارثة وقبض الأرباح؟! مع العلم أن حصة "غبور" وصلت في وقت من الأوقات إلى حوالي 90% من سوق "التوك توك" في مصر، وهذا معناه أن الشركة لم تكن مجرد مشارك، بل مهيمنة فعلياً على القطاع، وسهلت بكل الطرق نفاذ "التوك توك" إلى مصر عن طريق تجميعه وبيعه وأنظمة التقسيط، وكأنها كانت تسابق الزمن لنشر الوباء والتلوث والجريمة والبلطجة التي طفت مع ظهور "التوك توك".
اقتصادياً، ما فعلته دينا غبور صفقة ناجحة بكل المقاييس، حققت من ورائها شركة والدها الراحل مليارات الجنيهات، لكن اجتماعياً فهي قد ارتكبت "خطيئة" بكل المقاييس بعد أن صار "التوك توك" رمزاً لجرائم السرقات والخطف وهتك العرض وتعاطي المخدرات، وتسرب النشء من التعليم، والقضاء على مهن وحرف هامة وهروب أصحابها لشراء "تكاتك".. فهل يحاسب أحد دينا غبور؟ حتى لو أخلاقياً!