ماذا بعد الصواريخ.. هل يقع ترامب في مستنقع إيران البري؟
منذ نشوب الحرب الإيرانية، الصهيو_أمريكية، في 28 فبراير الماضي، ومع تواصل الضربات الجوية المتبادلة بين أطراف الصراع حتى اليوم، ووسط أدخنة الصواريخ الباليستية، تصاعدت حدة النقاشات حول التساؤل الأهم والأكثر خطورة الآن.. ماذا بعد الصواريخ؟ فقد كثر الحديث عن مدى إمكانية قيام القوات الصهيو_أمريكية، سواء بشكل مباشر أو عبر وكلائهم من الفصائل الكردية الانفصالية، باقتحام بري للحدود الإيرانية بهدف السيطرة على الأرض، على غرار ما حدث سابقاً في العراق وأفغانستان، وتتمحور التقييمات حول ما إذا كان هذا السيناريو ممكناً أم أن للمعادلة على الساحة الإيرانية حسابات مختلفة جذرياً، ولماذا؟
"الجيش ثلاثي الأبعاد": العقيدة التي تحمي عرش الخُميني
في إيران، الجيش ليس جيشًا واحدًا بل ثلاثة جيوش أو إن شئت فقل جيش ثلاثي الأبعاد، قوات مسلحة نظامية، وقوات الحرس الثوري والتي تتبعها قوات البسيج (قوات المقاومة الشعبية)، وهي تختلف بشكل شبه كامل عن القوات النظامية وقوات الحرس الثوري من حيث الهيكلة وطريقة العمل، إلا أنهم يشتركون في الهدف النهائي وهو حفظ النظام الذي أقامته الثورة الإسلامية في العام 1979 على يد آية الله الخُميني.
عمل الخُميني في بداية حكمه، على تكوين حاضنة شعبية من خلال التغلغل في جميع الأوساط المجتمعية المؤثرة كالمساجد والمدارس والجامعات والنوادي الرياضية والاجتماعية، فشَكل قوات ما يُعرف بجيش العشربن مليون أو البسيج (قوة تعبئة المستضعفين) وهي تابعة بشكل مباشر للحرس الثوري الإيراني.
تلك القوات مُدربة في مستوياتها العليا على كافة أساليب حروب العصابات البدائية والتعامل بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، فيما تكتفي المستويات الدنيا من القوات بالتدريب المبدئي والفكري بحيث يشكلون نواة صلبة للدعاية للنظام ويشكلون قوات حماية اجتماعية للنظام في حالة القلاقل الاجتماعية، أو الاعتداءات الخارجية.

كيف روّض النظام احتجاجات الداخل قبل قرع طبول الحرب؟
مع تصاعد التوتر والاستهداف الخارجي للنظام الإيراني وجه النظام قوات البسيج إلى التعامل مع الشغب والقلاقل الداخلية منذ أواخر العام 2008 استعداد لانتخابات 2009 التي فاز بها أحمدي نجاد أمام مير حسين موسوي والتي شكك في نزاهتها عدد من المراقبين والمنظمات الحقوقية حينها، وقامت على إثر نتائجها احتجاجات واسعة ما جعل السلطات تستعين بقوات البسيج لفض تلك المظاهرات وهو أول اشتباك مجتمعي تقوم به تلك القوات الممتدة على طول البلاد لحفظ استقرار النظام الإيراني وقتذاك.
فتلك القوات ووفقًا لأقل التقديرات يبلغ عددها وحدها قُرابة 400 ألف مُقاوم مُدرب على الاشتباك بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بإلاضافة لقوات الحرس الثوري والجيش الإيراني النظامي، هذا مع عدم الأخذ في الحسبان قوات الطبقة الدنيا من البسيج والتي تُقدر بالملايين، وهي مدربة تدريب مبدئي لكنها في النهاية تتبع فكريًا وروحيًا القيادة الدينية للنظام الإيراني وتبقى جاهزة لقيادة المقاومة الشعبية في وجه أي عمليات إعتداء خارجي.
هذا ما يُصعب المهمة أو قل يجعلها عملية شبه مستحيلة على أي قوات خارجية سواء القوات الصهيو_أمريكية أو حتى أذرعها الكُردية على الحدود والأطراف الإيرانية.
لذلك تجد خطابات الثنائي نتنياهو _ ترامب المتلفزة، تعتمد بشكل أساسي على مخاطبة الشعب الإيراني للتحرك لأن هذا هو أملهم الوحيد في التخلص من النظام الإيراني ولكن يبقى الأمر صعبًا ومُعقدًا غاية التعقيد وليس بالسهولة التي يتصورونها، خاصة بعدما استطاع النظام الإيراني تهدئة الشارع بعد احتجاجاته الأخيرة قبل نشوب الحرب بأسابيع قليلة سواء بالقمع أو بالاستجابة لمطالب المحتجين الفرعية أو البسيطة.

"نحن في انتظارهم": رسائل عراقجي الواثقة من خلف أدخنة الصواريخ
ولعل تلك الثقة التي تحدث بها أمس وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي قال _نحن في انتظارهم_ ردًا على سؤال مذيع فضائية (NBC News) الأمريكية عن احتمالية الهجوم البري على إيران من قبل القوات الصهيو_أمريكية، نابعة من ثقة كبيرة في قدرات الجيش الإيراني النظامي وقوات الحرس الثوري وكذا قوات البسيج التابعة له وقدرتهم على التصدي لأي عدوان بري على إيران أو محاولة زعزعة النظام من الداخل.
"المستنقع" لماذا تخشى واشنطن تكرار كابوس كابول في طهران؟
وفقًا للتقرير الأخير الصادر عن خدمة أبحاث الكونجرس (CRS) بتاريخ 25 يوليو 2024 بعنوان (صراع القوى العظمى.. الآثار المترتبة على الدفاع)، ذكر التقرير أنه ورغم انتقال أمريكا للتركيز بشكل أكبر على الصراع مع القوى العظمى الأخذة في النهوض (الصين _ روسيا)، إلا أن إيران تبقى تهديدًا مُحتملًا بسبب توسعها الكبير في مجالات الصواريخ الباليستية والدرونز والحروب السيبرانية وهو ما يشكل تهديدًا مباشرًا على مصالح أمريكا وقواعدها العسكرية في الخليج العربي، لذا شدد التقرير على ضرورة وضع إيران في الحسبان عند تصميم الهياكل الدفاعية الأمريكية في الشرق الأوسط.
إلا أن التقرير وضعها كخطر ثانوي لا يجب أن تستنفز التركيز الأمريكي بشكل كبير أو تُقحم نفسها في حرب ميدانية كما فعلت سابقًا في العراق وأفغانستان، حيث وعلى مقربة من الولايات المتحدة قوتان وهما (الصين _ روسيا) متربصتان بها ويعملان على إشغالها عن تطورهما وطموحاتهما الجامحة نحو السيطرة على العالم ومقدراته وثرواته التي تديرها بشكل أو بأخر الولايات المتحدة الأمريكية منذ العام 1945 حينما خرجت منتصرة في الحرب العالمية الثانية، وهذا الصراع مع القوى العظمى تضعه أمريكا في الحسبان وتحذر منه أشد الحذر.