د. ولاء عابد تكتب: ثروة الوطن الغارقة في التحدي: ذوو الهمم من كرامة محمية إلى قيادة حقيقية
لم تعد قضية الأشخاص ذوي الهمم في مجتمعنا المعاصر مجرد ملف إنساني يدار بأسلوب الدمج والتأهيل أو ينظر إليه بعيون العطف والشفقة بل هي في جوهرها قضية اعتراف حقيقي بثروة بشرية واعدة وطاقات كامنة تصنع المستحيل كل يوم.
نحن نتحدث عن كتلة بشرية ضخمة تمثل طاقة إنتاجية وفكرية لو قيست بميزان الإرادة لرجحت كفتها فالإعاقة لم تكن يوما في الجسد بل هي في العقول التي تعجز عن استثمار هذه الكنوز البشرية.
والدليل القاطع على هذه الطاقة المهولة لا نحتاج أن نبحث عنه في الكتب بل نراه متجسدا في واقعنا نراه في البطل البارالمبي الأسطوري "شريف عثمان" الذي تحدى الصعاب ليرفع علم مصر عاليا محطما الأرقام القياسية العالمية في رفع الأثقال ونراه في نماذج ملهمة مثل "رحمة خالد" التي كسرت الصور النمطية لتصبح أول مذيعة تليفزيونية من ذوي متلازمة داون لتثبت للجميع أن التميز لا يعرف حدودا وأن الإبداع الحقيقي ينطلق حين تتاح الفرصة لكل طاقة بشرية على هذه الأرض.
وفي ظل هذا الفهم الواعي لقيمة هذه الثروة خطت الدولة المصرية خطوات واسعة وغير مسبوقة نحو التمكين محولة الدعم إلى التزام دستوري وقانوني صارم لا يقبل التهاون.
ولم يكن هذا التمكين مجرد هبة بل جاء مسجلا في المادة 81 من الدستور المصري التي ألزمت الدولة بضمان حقوق ذوي الإعاقة صحيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتوج هذا الالتزام بصدور القانون رقم 10 لسنة 2018.
هذا القانون ليس مجرد نصوص بل هو وثيقة عبور حقيقية للمستقبل حيث فرض نسبة الـ 5% للتوظيف في القطاعين الحكومي والخاص وأقر كارت الخدمات المتكاملة لتيسير الرعاية الصحية وألزم كافة مؤسسات الدولة بتطبيق الأكواد الهندسية للإتاحة وتسهيل الحركة إلى جانب تأسيس صندوق "قادرون باختلاف" برعاية رئاسية مباشرة لتمويل مشروعاتهم الابتكارية ودعم أبطالنا الرياضيين مما يشكل دليلا دامغا على أن الدولة ترى فيهم شريكا أساسيا في بناء الاقتصاد الوطني.
ولأن صون هذه المكتسبات وحمايتها يتطلب درعاً قانونيا وحقوقيا يبرز الدور المحوري والفاعل للمجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة كحائط صد أول ولسان حق يدافع عن كرامتهم وبنائهم الإنساني.
واستنادا إلى اختصاصاته القانونية الواسعة يقف المجلس بالمرصاد لأي ممارسات سلبية أو محاولات للنيل من مكانة ذوي الهمم وهو ما تجلى بوضوح في موقفه الحاسم والصارم الصادر رسميا ضد أي تصريحات مسيئة تسعى لاتخاذ الإعاقة مادة للسخريه والتهكم في وسائل الإعلام المختلفة.
إن المجلس لا يكتفي بالاستنكار بل يتحرك مدعوما بقوة القانون ليطالب الجهات القضائية والتنظيمية وعلى رأسها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام باتخاذ كافة الإجراءات القانونية ومعاقبة أي خطاب يرسخ للتمييز أو ينتقص من كرامة المواطن مؤكدا دائما بلسان مشرفته العامة الدكتورة إيمان كريم أن دمج ذوي الإعاقة الذين يتجاوز عددهم 11 مليون مواطن هو التزام دولي ووطني يتوافق مع التزامات الدولة بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة وأن احترامهم وتوفير التناول الإعلامي المسؤول والمساواة وعدم التمييز هو حق أصيل وليس تفضلا من أحد.
إن هذا التلاحم القوي بين إرادة أبطالنا ذوي الهمم والرعاية التشريعية الحازمة للدولة والدور الحمائي الشرس للمجلس القومي للأشخاص ذوي الاعاقه يمثل المعادلة الحقيقية لنهضة المجتمع.
نحن لا ندمجهم فحسب بل نسير معا بخطى ثابتة نحو بناء وطن يؤمن بأن قوته الحقيقية تكمن في تنوعه وأن الاستثمار في طاقات أبناء مصر من ذوي الإرادة هو الضمانة الأكيدة لصناعة مستقبل مشرق يتسع لجميع أبنائه دون تمييز.