الحكومة تحسم ملف العمالة غير المنتظمة بقرارات عاجلة تثير الجدل
في خطوة تعكس توجهًا حكوميًا متسارعًا نحو تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، استقبلت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، السيد حسن رداد، وزير العمل، بمقر وزارة التضامن الاجتماعي في العاصمة الإدارية الجديدة، وذلك بحضور اللواء جمال عوض رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، إلى جانب عدد من قيادات الوزارتين.
اللقاء، الذي وُصف بأنه بداية مرحلة جديدة من التكامل المؤسسي، حمل في طياته رسائل واضحة حول أولوية ملف العمالة غير المنتظمة، وضرورة الانتقال من المعالجات الجزئية إلى منظومة متكاملة توفر حماية حقيقية ومستدامة لتلك الفئات التي ظلت لسنوات خارج نطاق التأمينات والمزايا الرسمية.
استهلت وزيرة التضامن الاجتماعي الاجتماع بالترحيب بوزير العمل، متمنية له التوفيق في مهامه الجديدة، ومشيدة في الوقت ذاته بجهود الوزير السابق محمد جبران خلال فترة توليه المسؤولية، في إشارة إلى أن ما يجري ليس قطيعة مع الماضي، بل امتداد لمسار إصلاحي يستهدف تطوير سياسات الحماية الاجتماعية وسوق العمل.
وأكدت الوزيرة أهمية استمرار التعاون الوثيق بين الوزارتين، لاسيما أن ملف العمالة غير المنتظمة يقع في نقطة التقاء واضحة بين اختصاصات التضامن الاجتماعي والعمل، فضلًا عن ارتباطه المباشر بجهود التأمين الاجتماعي.
العمالة غير المنتظمة.. ملف مفتوح على تحديات مزمنة
تُعد العمالة غير المنتظمة من أكثر الفئات هشاشة في سوق العمل، إذ تشمل العمال الموسميين، وعمال اليومية، والحرفيين، وعمال البناء، وغيرهم ممن لا يرتبطون بعقود عمل دائمة أو تغطية تأمينية مستقرة ومع غياب الحماية المؤسسية لسنوات طويلة، باتت هذه الفئة عرضة لتقلبات السوق والأزمات الاقتصادية دون سند قانوني أو مظلة تأمينية كافية.
ومن هنا، جاء الاجتماع ليؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد تحركًا عمليًا لتبسيط إجراءات التأمين الاجتماعي لهذه الفئات، وتوسيع قاعدة المستفيدين، بما يضمن لهم حدًا أدنى من الأمان في حالات المرض أو العجز أو الشيخوخة.
تبسيط الإجراءات.. خطوة أولى نحو الإدماج الكامل
ناقش الاجتماع آليات تيسير إجراءات التأمين الاجتماعي للعمالة غير المنتظمة، مع التأكيد على ضرورة إزالة التعقيدات الإدارية التي كانت تمثل عائقًا أمام تسجيل أعداد كبيرة منهم داخل منظومة التأمين.
وشدد الحضور على أن الهدف ليس فقط زيادة الأرقام المسجلة، بل توفير مظلة حماية اجتماعية شاملة، ترتكز على استدامة الاشتراكات وضمان وصول الخدمات إلى مستحقيها دون مشقة أو بيروقراطية مرهقة.
ومن أبرز ما تم الاتفاق عليه، دراسة تنفيذ مقترح تقدم به وزير العمل، يقضي بتقديم مختلف أوجه الدعم والتسهيلات من جانب وزارة العمل، خاصة فيما يتعلق بسرعة استخراج شهادات قياس مستوى المهارة، وتراخيص مزاولة الحرفة.
وتُعد هذه الشهادات والتراخيص بوابة أساسية لإدماج العامل في الاقتصاد الرسمي، إذ تُمكنه من إثبات كفاءته المهنية، وتمنحه وضعًا قانونيًا واضحًا، بما يسهل تسجيله تأمينيًا.
كما تضمن المقترح إمكانية إعفاء بعض الحالات من الرسوم المقررة لاستخراج تلك الشهادات والتراخيص، وفقًا للضوابط القانونية المنظمة، في خطوة تستهدف رفع الأعباء المالية عن الفئات الأكثر احتياجًا، وتشجيعهم على الانضمام الطوعي للمنظومة الرسمية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود الإجراءات الإدارية، بل امتد إلى دراسة إمكانية مساهمة وزارة العمل في دعم سداد الحصة التأمينية المقررة على بعض فئات العمالة غير المنتظمة.
هذا التوجه يعكس إدراكًا رسميًا بأن الاشتراكات التأمينية، رغم أهميتها، قد تمثل عبئًا على بعض العمال محدودي الدخل، ما يستدعي تدخلًا داعمًا في المراحل الأولى لتشجيعهم على الانتظام داخل المنظومة، خاصة في ظل توجه الدولة نحو توسيع قاعدة المستفيدين من نظام التأمين الاجتماعي.
ربط إلكتروني بين قواعد البيانات.. نحو حوكمة أكثر كفاءة
وفي إطار تعزيز الكفاءة المؤسسية، اتفق الجانبان على تكثيف التعاون والربط الإلكتروني بين قواعد بيانات الوزارتين، بما يضمن دقة المعلومات وسرعة تبادلها، ويمنع الازدواجية أو التضارب في البيانات.
ويُنتظر أن يسهم هذا الربط في تحسين استهداف الفئات الأولى بالرعاية، وتسهيل انتقال المستفيد من برامج الدعم النقدي إلى برامج التمكين الاقتصادي والتدريب المهني، في مسار متكامل يبدأ بالحماية وينتهي بالاستقلال الاقتصادي.
كما تطرق الاجتماع إلى تعزيز التعاون في مجالات التدريب المهني، مع التركيز على دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل، عبر برامج تدريب متخصصة تواكب احتياجات السوق، وتراعي خصوصية تلك الفئة.
ويمثل هذا التوجه جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى تحويل الدعم من مجرد إعانات مالية إلى فرص حقيقية للإنتاج والمشاركة الاقتصادية، بما يعزز من كرامة الفرد واستقلاله.
فرص جديدة لأسر “تكافل وكرامة”
ولم يغفل الاجتماع أهمية إتاحة فرص التدريب لأبناء وأسر المستفيدين من برنامج تكافل وكرامة، البرنامج الوطني للدعم النقدي المشروط، والذي يمثل أحد أكبر شبكات الحماية الاجتماعية في البلاد.