رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الثاني من رمضان.. يوم الفتوحات والتحولات الكبرى في تاريخ الأمة

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

لم يكن اليوم الثاني من شهر رمضان يومًا عابرًا في سجل الحضارة الإسلامية، بل ارتبط بمحطات فاصلة امتدت آثارها من قلب الجزيرة العربية إلى سواحل شمال أفريقيا، ومن مدن الشام إلى جنوب أوروبا.

ففي هذا اليوم خرجت جيوش، وأُسِّست مدن، وسقطت عواصم، وتبدلت موازين قوى، لتؤكد وقائع التاريخ أن رمضان لم يكن زمن عبادة فحسب، بل كان أيضًا زمن قرارٍ وحسمٍ وتخطيطٍ وصناعةٍ لمستقبل الأمة.

الخروج لفتح مكة

لحظة التحول الكبرى في مسار الدعوة

في الثاني من رمضان من السنة الثامنة للهجرة، خرج النبي ﷺ على رأس جيش المسلمين متوجهًا إلى مكة المكرمة، في تحرك عسكري حمل في طياته أبعادًا استراتيجية ودينية غير مسبوقة. 

هذا الخروج لم يكن مجرد حملة عسكرية، بل كان إيذانًا بطيّ صفحة صراع طويل مع قريش، وفتح مرحلة جديدة في تاريخ الدولة الإسلامية الناشئة.

انتهى المسير بفتح مكة، ذلك الحدث الذي غيّر خريطة الجزيرة العربية سياسيًا وعقديًا، ودخل الناس بعده في دين الله أفواجًا. ومنذ تلك اللحظة، ترسخت دعائم الدولة الإسلامية، وانتقل مركز الثقل من الدفاع إلى البناء والتثبيت.

كان فتح مكة إعلانًا عمليًا أن الرسالة التي بدأت مستضعفة في شعاب مكة، عادت إليها قوية راسخة، حاملة مشروعًا حضاريًا لا يقتصر على حدود جغرافية ضيقة.

القيروان.. من معسكر إلى منارة

تأسيس مدينة غيرت وجه شمال أفريقيا

وفي الثاني من رمضان أيضًا، بدأ العمل في تأسيس مدينة القيروان بإشراف القائد الفاتح عقبة بن نافع، لتكون قاعدة عسكرية للمسلمين في شمال أفريقيا، ومنطلقًا لنشر الإسلام في ربوع المغرب الكبير.

اسم “القيروان” معرّب عن اللفظ الفارسي “كاراوان”، ويعني موضع النزول أو معسكر الجيش، وهو ما يعكس طبيعة نشأتها الأولى. لكنها لم تظل معسكرًا طويلًا، بل تحولت سريعًا إلى مركز حضاري وعلمي بارز.

ازدهرت القيروان بالفقهاء والعلماء، وبرز فيها أعلام كبار، من بينهم الفقيه عبد الله بن أبي زيد القيرواني صاحب “الرسالة” في الفقه المالكي، الذي عُدّ من أبرز مراجع الفقه في المغرب الإسلامي.

ويظل جامع عقبة بن نافع شاهدًا حيًا على العمق الحضاري للمدينة، إذ يُعد من أقدم وأهم المساجد في العالم الإسلامي، ومركزًا علميًا تخرج فيه أجيال من العلماء الذين حملوا مشعل المعرفة إلى الأندلس وأوروبا.

قرار مؤلم في عسقلان

صلاح الدين بين العاطفة والحسابات العسكرية

شهد الثاني من رمضان أيضًا حدثًا عسكريًا بالغ الحساسية، حين غادر السلطان صلاح الدين الأيوبي مدينة عسقلان بعد أن أمر بإخلائها وتخريب أسوارها، خشية أن تقع في أيدي الصليبيين فيتخذوها قاعدة للانطلاق نحو بيت المقدس.

القرار كان بالغ القسوة، خاصة أن عسقلان كانت تمثل موقعًا استراتيجيًا مهمًا. وقد عبّر صلاح الدين عن مرارة الموقف بقوله إن موت جميع أولاده أهون عليه من تخريب حجر واحد منها، في إشارة إلى الصراع الداخلي بين تعلقه بالمدينة وضرورات الحرب.

كان ذلك القرار نموذجًا لسياسة الأرض المحروقة التي تُتخذ أحيانًا لتجنيب العدو موطئ قدمٍ استراتيجي، حتى وإن كان الثمن عاطفيًا وإنسانيًا باهظًا.

بلاط الشهداء

مواجهة فاصلة على أرض فرنسا

في الثاني من رمضان سنة 114هـ اندلعت معركة “بلاط الشهداء” بين المسلمين بقيادة عبد الرحمن الغافقي، وقوات الفرنجة بقيادة شارل مارتل، في المنطقة الواقعة بين مدينتي تور وبواتييه.

استمرت المعركة عشرة أيام، من أواخر شعبان حتى أوائل رمضان، وكانت من أعنف المواجهات في تاريخ الوجود الإسلامي بأوروبا. ورغم أن القتال لم يُحسم بانتصار قاطع لأي طرف، فإن انسحاب المسلمين ليلًا أنهى الحملة، لتبقى المعركة علامة فارقة في تاريخ التوسع الإسلامي غربًا.

وتحمل هذه الواقعة دلالات استراتيجية، إذ كشفت عن حدود الانتشار العسكري الإسلامي في أوروبا، كما أبرزت أهمية الإمدادات والعمق الاستراتيجي في الحروب البعيدة عن مراكز الدولة.

تم نسخ الرابط