د. ياسمين جمال تكتب: تأثير السوشيال ميديا على الأطفال في إطار توجهات الدولة المصرية
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتسلية أو التواصل، بل أصبحت أحد العوامل المؤثرة بشكل مباشر في تشكيل وعي الأطفال وسلوكهم اليومي، ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية وسهولة الوصول إلى المنصات الرقمية، بات الطفل يتعامل مع عالم افتراضي مفتوح، يحمل في طياته محتوى متنوعًا قد يكون إيجابيًا في بعض الأحيان، لكنه في كثير من الحالات يفتقر إلى الضوابط والمعايير التربوية.
وفي هذا السياق، تزداد المخاوف حول التأثيرات النفسية والسلوكية الناتجة عن الاستخدام غير المنضبط لمواقع السوشيال ميديا، خاصة في المراحل العمرية المبكرة. حيث يتعرض الأطفال لمحتوى قد يتضمن مشاهد عنف، أو تنمر إلكتروني، أو تحديات رقمية خطرة، بالإضافة إلى تداول الشائعات والمعلومات المغلوطة، وهو ما ينعكس سلبًا على منظومة القيم والسلوكيات لديهم.
ومن جهة أخرى، أدركت الدولة المصرية مبكرًا خطورة هذا الملف، وتعاملت معه باعتباره جزءًا أساسيًا من قضية بناء الإنسان المصري، وهو ما أكده السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة، من خلال التشديد على أهمية حماية الأطفال والنشء من المخاطر الفكرية والسلوكية، وبناء وعي حقيقي قادر على مواجهة التحديات الرقمية.
وقد ترجمت هذه الرؤية إلى جهود واضحة على أرض الواقع، حيث عملت الدولة على تطوير سياسات تهدف إلى ضبط المحتوى الإعلامي والرقمي، خاصة ما يُقدم للأطفال، وذلك في إطار الحفاظ على القيم المجتمعية والهوية الثقافية، كما تم التأكيد على دور الإعلام الوطني في تقديم محتوى هادف يسهم في تنمية وعي الطفل بدلًا من تشويهه.
أيضًا، أطلقت الدولة عددًا من الحملات والمبادرات التوعوية التي تستهدف الأسرة المصرية، بهدف رفع الوعي بمخاطر الاستخدام غير الآمن لمواقع التواصل الاجتماعي، والتأكيد على أهمية الرقابة الأسرية الواعية، وليس المنع المطلق. وبالإضافة إلى ذلك، تم دعم المبادرات التي تشجع على إنتاج محتوى إيجابي وآمن للأطفال، سواء عبر القنوات الإعلامية أو المنصات الرقمية.
وفيما يتعلق بتأثير السوشيال ميديا على وعي الأطفال، تشير المتابعات المجتمعية إلى أن الطفل أصبح أكثر عرضة لتقليد ما يراه عبر المنصات الرقمية، دون إدراك حقيقي لخطورة بعض السلوكيات المعروضة. وهو ما قد يؤدي إلى تطبيع مفاهيم خاطئة، أو تقبل أنماط سلوكية غير مناسبة، فضلًا عن التأثر بالشائعات والأفكار المغلوطة التي يتم تداولها بشكل مكثف عبر هذه المنصات.
وفي مواجهة ذلك، تحركت الدولة المصرية وفق رؤية شاملة تقوم على التصدي للمحتوى الهابط، وتعزيز دور الإعلام المسؤول، إلى جانب دعم الخطاب التوعوي الذي يرسخ مفاهيم الاستخدام الرشيد للتكنولوجيا، وكذلك، تم التركيز على بناء وعي الطفل نفسه، من خلال تنمية مهارات التفكير النقدي لديه، ليصبح قادرًا على التمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى الضار.
ومن جهة أخرى، لعبت المؤسسات التعليمية دورًا مكملًا في هذا الإطار، من خلال إدماج مفاهيم التربية الرقمية والأمن الفكري ضمن المناهج والأنشطة التعليمية، بما يساعد الأطفال على التعامل الواعي مع التكنولوجيا. كما تم التأكيد على أهمية الشراكة بين المدرسة والأسرة والإعلام في حماية الطفل من التأثيرات السلبية للسوشيال ميديا.
وبالإضافة إلى ذلك، يعكس الاهتمام المتواصل من جانب القيادة السياسية بقضية الوعي، إدراكًا عميقًا بأن مواجهة مخاطر السوشيال ميديا لا تعتمد فقط على الرقابة أو التشريع، بل تتطلب بناء عقلية واعية لدى الطفل، قادرة على استخدام التكنولوجيا كأداة للتعلم والتطور، لا وسيلة للتأثر السلبي أو الانسياق وراء المحتوى غير الهادف.
ختامًا، يمكن القول إن جهود الدولة المصرية في مواجهة التأثيرات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال، تمثل خطوة مهمة نحو حماية الأجيال القادمة وبناء جيل واعٍ ومحصن فكريًا. ومع استمرار دعم القيادة السياسية، وتكامل أدوار الدولة والأسرة والمؤسسات الإعلامية والتعليمية، يبقى الأمل قائمًا في خلق بيئة رقمية أكثر أمانًا لأطفالنا، تحافظ على وعيهم، وتعزز قدرتهم على مواجهة تحديات العصر الرقمي.
د. ياسمين جمال
باحثة دكتوراة الإعلام التربوي وثقافة الأطفال بجامعة عين شمس