جبال أسيوط إلى السوق السوداء.. ضبط شبكة تهريب آثار تضم 509 قطع
شهدت محافظة أسيوط مؤخرًا ضبط 509 قطع أثرية بحوزة أحد المواطنين، كان هدفه الاتجار بها في السوق السوداء، القطع التي تعود للعصور الفرعونية واليونانية والرومانية، تم الحصول عليها من خلال التنقيب غير المشروع في المناطق الجبلية، ما يسلط الضوء على قضية أكبر وأكثر خطورة: نشاطات مافيا تجارة الآثار الكبرى التي تهدد التراث الثقافي المصري.
تجارة الآثار ليست مجرد نشاط إجرامي عابر، بل هي منظومة متكاملة تضم شبكات محلية ودولية، تشتمل على المنقبين غير الشرعيين، الوسطاء، المهربين، والمشترين في أسواق عالمية. هذه الشبكات تعمل بسرية تامة، وغالبًا ما تكون عنيفة، كما هو الحال في حوادث أخرى شهدتها بعض المحافظات، حيث لا تتورع العصابات عن استخدام القوة لإتمام صفقات الآثار أو حماية مواقع التنقيب غير القانوني.
الخطورة الحقيقية لهذه المافيا تكمن في أن الاتجار بالآثار لا يقتصر على الجانب المالي فقط، بل يمتد إلى التدمير الممنهج للآثار والمواقع التاريخية. عمليات التنقيب غير القانونية عادةً ما تتم بأساليب عنيفة، تؤدي إلى تهشم القطع الأثرية وفقدان المعلومات التاريخية عن الحضارات القديمة. كل قطعة يتم تهريبها إلى السوق السوداء تمثل خسارة للذاكرة التاريخية للبشرية.
واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه السلطات هي عدم ثقة الأفراد الذين يعثرون على القطع الأثرية بالدولة. كثير من هؤلاء يخشون العقاب أو التورط في مشاكل قانونية، لذلك يختارون تسليم القطع إلى الوسطاء أو شبكات التهريب، ما يغذي نشاط مافيا الآثار. إن بناء الثقة بين الدولة والمواطنين يمكن أن يقلل بشكل كبير من حجم التجارة غير المشروعة، ويضمن حماية التراث الوطني.
هناك عدة حلول عملية لتعزيز هذه الثقة:تقديم حوافز قانونية: السماح لمن يعثر على قطع أثرية بتسليمها للدولة دون التعرض للمسائلة الجنائية، أو عبر برامج شراء رسمي تقدر قيمة القطع وتحمي المكتشف.
التوعية المجتمعية: إطلاق حملات إعلامية توضح أهمية حماية الآثار وفوائد تسليمها للدولة، مع إبراز أن كل قطعة محفوظة هي جزء من الهوية الوطنية.
تشديد الرقابة والملاحقة: تكثيف جهود الأجهزة الأمنية والشرطة السياحية لملاحقة الشبكات المنظمة، مع التركيز على التعامل مع الوسطاء والمشترين الدوليين، لضمان قطع السلسلة بالكامل.
تسهيل البلاغات: إنشاء منصات إلكترونية أو مراكز استقبال محلية تمكن المواطنين من الإبلاغ عن أي نشاط أثري مشبوه بسرية وأمان، مما يشجع على التعاون دون خوف.
التعاون الدولي: العمل مع المنظمات الدولية لمراقبة تهريب الآثار، واستعادة القطع المهربة خارج البلاد، بما يضع حدًا للشبكات العالمية التي تستفيد من الفوضى المحلية.
تجربة ضبط 509 قطعة أثرية بأسيوط تؤكد أن الدولة تمتلك القدرة على مواجهة مافيا تجارة الآثار، لكنها تحتاج إلى تكامل الجهود بين القانون والمجتمع. حماية التراث لا تعتمد فقط على القبض على المنقبين غير الشرعيين، بل تتطلب خلق بيئة تجعل تسليم الكنوز للدولة خيارًا آمنًا ومربحًا من الناحية القانونية والأخلاقية.



