رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

انهار التراب وابتلع الحلم.. تفاصيل مصرع عامل بسبب بئر في قنا

بئر
بئر

لم يكن صباح السبت مختلفًا عن غيره في قرية أبو مناع غرب بمركز دشنا شمس هادئة تسطع فوق الحقول، وأصوات المارة تختلط بنداءات الباعة، بينما كان أحد أبناء القرية يخطو بخطوات ثابتة نحو عمله، يحمل في قلبه همّ بيته الصغير وأطفاله الثلاثة الذين ينتظرون عودته كل مساء.

كان يعرف أن النزول إلى بئر الصرف الصحي ليس مهمة سهلة، لكنه اعتاد مواجهة المشقة بصمت. قال لزوجته قبل أن يغادر: “سأعود سريعًا… لا تقلقي.” لم تكن تعلم أن تلك الكلمات ستكون الأخيرة.

في موقع العمل، بدا كل شيء عاديًا في البداية. حبال وأدوات بسيطة، وبئر عميقة تحتاج إلى تنظيف. نزل الرجل بخبرة السنين، بينما وقف بعض الأهالي يتابعون. فجأة، تغيّر كل شيء في لحظة خاطفة. اهتزت جدران البئر، وتساقطت كتل من التراب، ثم انهار جزء كبير منه بشكل مفاجئ، ليبتلع الرجل في جوفه.

وتعالت الصرخات، وهرع الجميع نحو الحفرة في محاولة يائسة لإنقاذه. حاول شابان النزول، لكن ضيق المكان وخطورة الانهيار منعتهم. دقائق بدت كأنها دهر، والقلوب معلقة بأمل ضعيف في أن يخرج حيًا.

وصلت قوات الإنقاذ، وبدأت العمل بحذر شديد خشية انهيار جديد. كانت الأنفاس محبوسة، والوجوه شاحبة، والدعوات ترتفع إلى السماء. بعد جهد مضنٍ، تم انتشال الجثمان. خيم الصمت على المكان، صمت ثقيل لا يقطعه سوى بكاء مكتوم.

انتشر الخبر سريعًا في أنحاء القرية. خرجت النساء من البيوت مذهولات، وتجمع الرجال في الشوارع بوجوه يكسوها الحزن. لم يكن الضحية مجرد عامل، بل كان أبًا طيب القلب، يسعى خلف رزقه بشرف، ويبتسم رغم قسوة الحياة.

في المنزل الصغير، كانت الزوجة تنتظر عودته كعادتها. لم تكن تدري أن سيارة الإسعاف التي توقفت أمام البيت لا تحمل بشرى، بل فاجعة. حين علمت، انهارت الكلمات في حلقها قبل أن تنهمر دموعها، واحتضنت أبناءها الذين لم يفهموا بعد معنى الفقد.

تحول ذلك الصباح الهادئ إلى ذكرى مؤلمة ستبقى عالقة في ذاكرة القرية طويلًا. بئر ضيقة ابتلعت جسد رجل بسيط، لكنها كشفت هشاشة الأمان في أعمال خطرة تُنجز بأدوات متواضعة وأحلام كبيرة.

 

تم نسخ الرابط