الهيبة أم القانون؟.. تأثير الدراما الهابطة وأعمال محمد رمضان على وعي الشباب
لم تكن واقعة بدلة الرقص في بنها مجرد حادثة تنمر عابرة، بل بدت لكثيرين كجرس إنذار مدوٍّ يكشف حجم التحولات الأخلاقية التي أصابت قطاعًا من الشباب المشهد الذي انتشر كالنار في الهشيم أعاد فتح ملف ظل مؤجلًا لسنوات: تأثير الدراما الشعبية التي تمجد القوة المنفلتة وتعيد تعريف مفاهيم الرجولة والهيبة بعيدًا عن القانون.
في قلب هذا الجدل، يتصدر اسم الفنان محمد رمضان، الذي شكّلت أعماله خلال العقد الأخير نموذجًا مختلفًا للبطل الشعبي؛ نموذج يرى منتقدوه أنه ساهم في تطبيع العنف، وتجميل البلطجة، وإضعاف صورة القانون في وعي جيل كامل.
منذ عرض مسلسل الأسطورة، ظهر على الشاشة نموذج درامي يتجاوز فكرة الشاب المكافح الذي يصعد بعمله واجتهاده، إلى شخصية تفرض نفسها بالقوة، وتنتزع حقها خارج الأطر المؤسسية العمل حقق نجاحًا جماهيريًا ضخمًا، لكنه في الوقت ذاته رسّخ صورة البطل الذي يتحرك بمنطق الحق بالقوة
تكرر النموذج في نسر الصعيد، حيث امتزجت مفاهيم العصبية القبلية بالعدالة الخاصة، ثم بلغ ذروته في جعفر العمدة، الذي قدّم شخصية ذات نفوذ شعبي واسع، تُدار علاقاتها بمنطق السيطرة، وتُحسم نزاعاتها خارج قاعات القضاء.
تآكل صورة القانون في الوعي الجمعي
أخطر ما في هذا النمط الدرامي بحسب منتقديه أنه يهمّش فكرة الدولة والقانون فحين يتكرر على الشاشة مشهد البطل الذي يقتص بنفسه، ويُدير الصراعات بسطوته الشخصية، تتراجع في اللاوعي المجتمعي قيمة الاحتكام إلى المؤسسات.
الشباب الذين يتلقون هذه الرسائل بشكل متكرر قد يبدأ بعضهم في رؤية القانون كعائق، لا كحامٍ للحقوق وتتحول “الهيبة” إلى قيمة أعلى من العدالة، وتصبح القدرة على إخضاع الآخرين مقياسًا للرجولة.
واقعة بنها عكست هذا المعنى بوضوح: إذلال علني، استعراض للقوة، تصوير للمشهد، وكأن الفعل ذاته رسالة تقول إن صاحب اليد العليا هو من يفرض المشهد، لا من يحتكم للقانون.
الدراما الهابطة وتغييب الوعي
لا يقتصر الأمر على أعمال بعينها، بل يمتد إلى موجة أوسع من الدراما التي تعتمد على الإثارة السطحية، والمشاهد الصاخبة، واللغة الحادة، دون تقديم مضمون قيمي متوازن هذه الأعمال، وفق نقاد، تركز على الصدمة وجذب الانتباه، بينما تتراجع فيها الرسائل التربوية والاجتماعية.
ومع تكرار صورة البلطجي الظريف، أو الرجل الذي تُحل مشكلاته بالعنف، يتشبع المتلقي خاصة في سن المراهقة برسائل ضمنية تعيد تشكيل مفاهيمه. وحين تغيب النماذج البديلة التي تمجد العمل والانضباط واحترام القانون، يصبح النموذج الصاخب هو الأكثر حضورًا وتأثيرًا.
من التقمص إلى التطبيق
علم النفس الاجتماعي يوضح أن التكرار يولد الألفة، والألفة قد تتحول إلى قبول حين يرى الشاب أن البطل الذي يعجبه يحقق أهدافه بالقوة، ويحظى بالإعجاب، ويُصوَّر كرمز للنجاح، قد يسعى ولو بشكل غير واعٍ إلى تقليده.
لا يعني ذلك أن كل مشاهد يتحول إلى ممارس للعنف، لكن في بيئات تعاني من ضعف رقابي أسري وتعليمي، قد يجد البعض في هذه النماذج مبررًا لسلوكيات منحرفة. وهنا يصبح الفارق بين الدراما والواقع أكثر هشاشة.
هل الفن بريء تمامًا؟
أنصار حرية الإبداع يرون أن الفن يعكس الواقع ولا يصنعه، وأن تحميل ممثل أو مسلسل مسؤولية انحدار أخلاقي هو قفز على الأسباب الحقيقية: الفقر، البطالة، تراجع دور المدرسة، وضعف الخطاب الديني الوسطي.
لكن في المقابل، لا يمكن إنكار أن الإعلام قوة ناعمة هائلة التأثير، فكما يستطيع أن يرسخ قيم الانضباط والعمل، يمكنه أيضًا إن غاب التوازن أن يطبع مع الفوضى ويجملها.
المسألة ليست في منع أو مصادرة، بل في إدراك حجم المسؤولية، فحين تُقدَّم البطولة دائمًا في صورة الرجل الذي لا يخضع إلا لمنطقه الخاص، فإن رسالة ضمنية تُزرع في الوعي: القوة أولًا… والقانون لاحقًا.
المجتمع بين الشماعة والمراجعة
الأسهل هو البحث عن متهم واضح لكن الأصعب هو الاعتراف بأن الأزمة مركبة نعم، هناك دراما هابطة ساهمت في تغييب الوعي، ونعم هناك تراجع في أدوار التربية والتعليم، ونعم هناك بيئة اجتماعية مأزومة تبحث عن أيقونات قوة.
واقعة بنها لم تكن نتيجة مسلسل واحد، لكنها كانت نتيجة مناخ ثقافي تداخلت فيه الرسائل الإعلامية مع أزمات الواقع ومع استمرار تقديم نماذج تمجد البلطجة وتضعف صورة القانون، يصبح الخطر مضاعفًا.
نحو دراما تستعيد البوصلة
المجتمع لا يحتاج إلى أبطال خارقين يفرضون سيطرتهم، بل إلى نماذج تحترم القانون وتؤمن بالمؤسسات لا يحتاج إلى مزيد من الاستعراض، بل إلى خطاب يعيد الاعتبار لقيم الاحترام والمسؤولية.
إعادة التوازن لا تعني القضاء على دراما الأكشن، بل تقديمها في إطار يوضح عواقب الانفلات، ويؤكد أن العدالة لا تتحقق إلا عبر القانون. فالشاشة، بما تملكه من تأثير، قادرة على البناء كما هي قادرة على الهدم.