رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

الأزهر يحسم الجدل: نجاة والدي النبي ﷺ ثابتة شرعًا والإساءة إليهما مرفوضة

مركز الأزهر العالمى
مركز الأزهر العالمى للفتوى

في وقت تتجدد فيه بين الحين والآخر مناقشات مثيرة للجدل على منصات التواصل وبعض المنابر، خرج مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية ببيان علمي مفصل يؤكد فيه أن القول بنجاة والدي سيدنا النبي محمد ﷺ هو ما استقر عليه رأي جمهور المحققين من علماء الأمة سلفًا وخلفًا، وأن الإساءة إليهما أو اتخاذ المسألة مطعنًا أمر مرفوض شرعًا وأخلاقًا.

البيان لم يأتِ في سياق عاطفي أو إنشائي، بل استند إلى تأصيل علمي ممتد في كتب التفسير والحديث والعقيدة، مؤكدًا أن هذه القضية ليست وليدة اللحظة، وإنما تناولها الأئمة عبر القرون بالبحث والتمحيص، وانتهى جمهورهم إلى ترجيح القول بنجاتهما، انطلاقًا من أصول شرعية وقواعد مستقرة في فهم النصوص.

«أهل الفترة» قاعدة قرآنية حاسمة

أولى الحجج التي ساقها العلماء تقوم على مبدأ «أهل الفترة»، وهو مصطلح عقدي يقصد به من عاشوا في زمن انقطاع الرسالات، ولم تبلغهم دعوة نبي على وجه تقوم به الحجة.

وبيّن الأزهر أن والدي النبي ﷺ توفيا قبل بعثته، أي قبل نزول الوحي وإقامة الحجة، ومن ثم ينطبق عليهما حكم أهل الفترة. ويستند هذا الرأي إلى نص قرآني صريح في قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].

هذه الآية شكلت قاعدة عدلية جامعة، إذ قررت أن العذاب مرتبط ببلوغ الرسالة، وهو ما يجعل من مات قبل البعثة النبوية غير مؤاخذ بعدم الإيمان برسالة لم تُبلَّغ إليه أصلًا، وقد قرر هذا المعنى عدد كبير من المفسرين والأصوليين، معتبرين أن عدل الله تعالى يقتضي عدم المؤاخذة قبل البيان.

على الحنيفية السمحة الامتداد الإبراهيمي

الحجة الثانية التي عرضها البيان تتعلق باعتقاد عدد من العلماء أن والدي النبي ﷺ كانا على الحنيفية السمحة، أي على بقايا دين سيدنا إبراهيم عليه السلام، الذي ظل أثره ممتدًا في جزيرة العرب قبل البعثة.

واستدل هؤلاء بقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء: 219]، وفسرها بعضهم بأن الله تعالى نقل نبيه ﷺ في أصلاب موحدة وأرحام طاهرة.

كما استشهدوا بالحديث المشهور: «لم يزلِ الله ينقلني من الأصلاب الحسنة إلى الأرحام الطاهرة، مُصفّى مُهذّبًا، لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما»، وهو حديث ذكره السيوطي وغيره في سياق بيان طهارة نسب النبي ﷺ.

ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن مقتضى تكريم الله لنبيه ﷺ أن يكون نسبه محفوظًا من الشرك، وأن ينتقل عبر أصول مؤمنة موحدة، وهو ما جعلهم يرجحون هذا المسلك في فهم النصوص.

ومن المسائل التي أثيرت في هذا السياق ما ورد في بعض الروايات من أن الله تعالى أحيى والدي النبي ﷺ له حتى آمنا به. وقد أقر العلماء بأن أسانيد هذه الروايات لا تخلو من مقال، إلا أن عددًا من الحفاظ ذكروا أنها تتقوى بمجموع طرقها.

وأوضح الأزهر أن هذه الأحاديث تُذكر في باب فضائل الأعمال، وهو باب يتسامح فيه جمهور المحدثين في شروط القبول ما لم يكن الضعف شديدًا، خاصة إذا كان المعنى مؤيدًا بأصول عامة.

وقد أفرد الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي ست رسائل مستقلة في إثبات نجاة والدي النبي ﷺ، جمع فيها الروايات والأدلة وأقوال من سبقه من الأئمة، في محاولة علمية منه لنصرة هذا الرأي وتحرير محل النزاع فيه.

ومن الأدلة التي أوردها العلماء كذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5].

فقد نقل الإمام الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن من رضا النبي ﷺ ألا يدخل أحد من أهل بيته النار ويرى بعض المفسرين أن هذا التفسير، وإن كان في سياق عام، إلا أنه يتسق مع تكريم الله لنبيه ﷺ بإرضائه في شأن أقرب الناس إليه.

هذا الفهم يعكس بعدًا عقديًا عميقًا، يرتبط بمقام النبي ﷺ عند ربه، وبوعد الإرضاء الإلهي الذي جاء مطلقًا في الآية، وهو ما جعل عددًا من العلماء يدخلون نجاة والديه ضمن هذا الإكرام الإلهي.

في المقابل، يستند من يخالف هذا الرأي إلى رواية منسوبة إلى أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ: «إن أبي وأباك في النار» إلا أن الأزهر شدد على أن هذه الرواية محل بحث حديثي دقيق.

فقد انفرد حماد بن سلمة بذكر هذا اللفظ، بينما خالفه معمر بن راشد وهو عند أئمة الجرح والتعديل أضبط وأثبت فرواه بلفظ مختلف: «إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار».

هذا الاختلاف الجوهري في المتن، مع ما قيل في حفظ حماد بن سلمة من ملاحظات، جعل عددًا من المحدثين يرجحون رواية معمر، ويمنعون الجزم بثبوت اللفظ الأول.

كما أشار العلماء إلى أن الإمام البخاري لم يخرج لحماد بن سلمة في صحيحه، وأن الإمام مسلم لم يخرج له في الأصول إلا من روايته عن ثابت، ما يعكس احتياطًا منهجيًا في التعامل مع مروياته.

ومن أوجه النظر التي طرحها العلماء أيضًا أن لفظ «الأب» في لسان العرب لا ينحصر في الوالد المباشر، بل قد يُطلق ويراد به العم أو الجد، كما في قوله تعالى: {نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ} [البقرة: 133].

وعليه، فإن بعضهم احتمل أن يكون المقصود في الرواية إن صحت غير الوالد الصلبي، وهو احتمال لغوي معتبر في الاستعمال العربي والقرآني.

بين المواساة والنسخ احتمالات في فهم النص

وذهب فريق من العلماء إلى احتمال أن يكون الحديث على فرض صحته قيل في سياق المواساة لرجل حزن على مصير أبيه، فأراد النبي ﷺ أن يخفف عنه ببيان أن من قرابته من لم يؤمن به.

كما رأى آخرون أن هذه الروايات منسوخة بما ورد في أحاديث الإحياء، وبالتالي لا يصح اتخاذها ذريعة للطعن أو لمعارضة ما استقر عليه قول جمهور المحققين.

التحذير من الإساءة

بعيدًا عن الجدل العلمي، شدد بيان الأزهر على خطورة تحويل المسألة إلى مادة للاستفزاز أو التشغيب، مؤكدًا أن الخوض فيها بغير علم أو أدب يمثل إيذاءً لمشاعر المسلمين.

واستدل العلماء بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [الأحزاب: 57]، وبحديث النبي ﷺ: «لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء».

تم نسخ الرابط