د. حنان نجيب تكتب: العملة الرقمية المدعومة بالسندات.. أداة سيادية جديدة لتعزيز قوة الاقتصاد المصري
تقوم هذه الرؤية على توظيف أداة مالية تقليدية يعرفها الاقتصاد المصري جيداً، وهي السندات الحكومية، في إطار جديد يواكب التحول الرقمي ويخدم الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل. ويتمثل جوهر المقترح في إصدار عملة رقمية وطنية مدعومة بالسندات الحكومية، بحيث يستند كل جنيه رقمي إلى أصل حقيقي قائم، بما يعزز الثقة في قيمته ويمنحه دعماً مالياً مباشراً من أدوات الدين المحلية.
تنطلق هذه الفكرة من ملاحظة أساسية، وهي أن السندات الحكومية تمثل أحد أهم أدوات تمويل الدولة، لكنها تظل في الغالب بعيدة عن المواطن العادي، حيث يقتصر التعامل معها على البنوك والمؤسسات المالية والمستثمرين الكبار. وفي المقابل، يشهد العالم توسعاً متزايداً في استخدام الوسائل الرقمية في الدفع والتداول المالي، بما يفتح المجال لابتكار صيغ جديدة تربط بين أدوات التمويل التقليدية والتحول التكنولوجي.
ومن هنا يأتي هذا المقترح الذي يقوم على تحويل جزء من قوة السندات الحكومية إلى دعامة لوسيلة تداول رقمية، بحيث لا تكون العملة الرقمية مجرد وسيلة دفع إلكترونية، ولا بديلاً عن الجنيه المصري، وإنما امتداداً له ومدعوماً بأصول مالية حقيقية. فكل وحدة رقمية يتم إصدارها تكون مرتبطة بسند حكومي قائم، بما يضمن ارتباطها بالاقتصاد الحقيقي وليس بقيمة افتراضية أو مضاربات.
وتستند مبررات هذا التصور إلى عدد من الاعتبارات الاقتصادية المهمة. أولها أن تعزيز الطلب المحلي على السندات الحكومية يسهم في تقوية قدرة الدولة على الاعتماد على مواردها الداخلية في تمويل احتياجاتها، وهو ما يقلل تدريجياً من الضغوط المرتبطة بالاقتراض الخارجي وتكاليفه. فكلما زاد الاعتماد على أدوات تمويل محلية مستقرة، تراجعت الحاجة إلى تدبير عملات أجنبية بشروط مكلفة، وازدادت قدرة الاقتصاد على مواجهة التقلبات العالمية.
وثاني هذه المبررات يتمثل في أن ربط العملة الرقمية بأصول حكومية مدرة للعائد يخلق حالة من الثقة والاستقرار في التعامل بها، على عكس العملات الرقمية غير المدعومة التي تعتمد على المضاربة وتقلبات السوق. فالسندات الحكومية تمثل أصلاً منتجاً يشارك في تمويل المشروعات والخدمات العامة، ويعود نفعه على الاقتصاد ككل، وليس مجرد مخزن للقيمة مثل الذهب الذي يحتفظ بقيمته لكنه لا يسهم مباشرة في دفع عجلة التنمية.
أما المبرر الثالث، فيتعلق بتعزيز العلاقة بين المواطن والاقتصاد الوطني. فبدلاً من أن تبقى السندات أداة تمويل غير مرئية في حياة الناس، تصبح جزءاً من منظومة مالية يشعر المواطن بآثارها بشكل مباشر من خلال استخدامها في معاملاته اليومية عبر وسيلة دفع رقمية آمنة وسهلة. وهذا من شأنه أن يعمق الثقة في أدوات الدولة المالية ويزيد من الإقبال على الحلول الرسمية المنظمة.
كما أن هذا التصور لا يستهدف إحداث تغيير مفاجئ في النظام النقدي أو استبدال العملة التقليدية، بل يقوم على مسار تدريجي يربط بين التحول الرقمي وبين أصول مالية قائمة بالفعل، بما يحقق التوازن بين الابتكار والانضباط المالي. فالدولة تحتاج إلى أدوات تمويل أكثر استدامة، والمواطن يحتاج إلى وسائل دفع حديثة وآمنة، وهذا المقترح يسعى إلى الجمع بين الهدفين في إطار واحد.
وفي ظل ما يشهده الاقتصاد العالمي من تنافس متزايد على جذب التمويل، وتحديات مرتبطة بتكلفة الاقتراض وتقلبات الأسواق، يصبح تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية أولوية استراتيجية. ومن هذا المنطلق، فإن تحويل السندات الحكومية من مجرد أداة تمويل تقليدية إلى عنصر داعم للسيولة الرقمية المتداولة قد يسهم في تقوية الاستقرار المالي، ويجعل إدارة الدين العام أكثر ارتباطاً بالاقتصاد الوطني.
إن الفكرة في جوهرها ليست إصدار عملة جديدة، بل إعادة توظيف أداة قائمة بالفعل بطريقة أكثر كفاءة، بحيث تتحول السندات من كونها عبئاً تمويلياً إلى أصل داعم للثقة والسيولة والاستقرار. وبينما تتجه دول العالم إلى ابتكار صيغ جديدة للنقود، فإن ربط هذه الصيغ بأصول حقيقية تدر عائداً وتخدم التنمية يظل الطريق الأكثر أماناً واستدامة.
..
الكاتبة حنان نجيب.. محلل مالي وإحصائي