رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

خاص | الصراع في السودان.. قراءة شاملة في الأسباب ودور القوى الكبرى | تحليل ستيفن صهيوني

السودان
السودان

صراع السودان يتجاوز كونه مواجهة داخلية على السلطة، إذ يعكس تشابكًا معقدًا بين أزمات بنيوية داخلية وحسابات إقليمية ودولية متداخلة. 

قراءة المشهد تكشف أن الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 تحولت إلى ساحة اختبار لإرادات قوى كبرى، وسط انهيار إنساني متسارع وغياب أفق سياسي واضح. 

تحليل ستيفن صهيوني، الصحفي السوري الأميركي المختص بالشأن الأميركي والشرق الأوسط، يسلّط الضوء على جذور الأزمة، ومساراتها، وأدوار اللاعبين الدوليين.

القاهرة تجمع الأطراف.. محاولة لإحياء المسار السياسي

استضافة القاهرة الاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان عكست سعيًا إقليميًا جادًا لإعادة تحريك المسار السياسي. 

مشاركة منظمات إقليمية ودولية وشخصيات فاعلة، من بينها رمطان لعمامرة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، أكدت أولوية التوصل إلى هدنة إنسانية تمهّد لوقف مستدام لإطلاق النار، وتسوية سياسية شاملة تحفظ وحدة السودان ومؤسساته.

واشنطن تغيّر مقاربتها

تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى السودان توم بيريلو عكست تحوّلًا لافتًا في موقف واشنطن. 

أولوية الحل السياسي باتت عنوان المرحلة، مع إقرار صريح بأن الخيار العسكري لم يعد قابلًا للاستمرار. دعوة بيريلو إلى هدنة إنسانية شاملة هدفت إلى فتح ممرات المساعدات، وتهيئة الأرضية لعملية سياسية يقودها السودانيون بدعم دولي.

الموقف المصري والرباعية الدولية

تأكيد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على دور «الرباعية الدولية» عكس تمسك القاهرة بمسار تنسيقي جامع. 

رؤية مصر انطلقت من هدنة إنسانية كخطوة أولى، تعقبها عملية سياسية تحافظ على مؤسسات الدولة وتمنع تفكك البلاد. تقاطع الموقفين المصري والأميركي أظهر اتجاهًا دوليًا متناميًا نحو حلول مرحلية تقلل العنف وتحد من الانهيار الشامل.

تصاعد القمع والانتهاكات

مشهد الداخل السوداني كشف وجهًا أكثر قتامة، منع وقفات تضامنية، واعتقالات واسعة بحق ناشطين، وتحذيرات قانونية من خطر الإعدام، جميعها مؤشرات على تصاعد القمع. 

تقديرات حقوقية أشارت إلى تجاوز عدد المعتقلين السياسيين 4500 شخص بنهاية 2025، مع اتهامات مباشرة لأجهزة أمنية خاضعة لنفوذ جماعة الإخوان المسلمين باستهداف مناهضي الحرب ونشطاء ثورة 2019.

الإخوان المسلمون وإعادة ترسيخ النفوذ

عودة شبكات أمنية مرتبطة بالإخوان بعد انقلاب أكتوبر 2021 أعادت تشكيل المشهد الأمني.

مراقبون ربطوا بين تصاعد الانتهاكات ومحاولات إعادة فرض الهيمنة السياسية، تحذيرات قانونية تحدثت عن حملة ممنهجة لإسكات المعارضين وتفادي أي مساءلة مستقبلية عن جرائم ارتُكبت قبل الحرب وخلالها.

الصين والسودان.. مصالح هادئة وحضور محسوب

العلاقات الصينية–السودانية شكّلت بعدًا دوليًا مهمًا، بكين، الشريك التجاري البارز، واصلت دعمها المعلن للاستقرار والحل السياسي، مع رفض التدخلات والعقوبات. 

موقع السودان ضمن مبادرة «الحزام والطريق» منح هذه العلاقة بعدًا استراتيجيًا، رغم تراجع أهميته النفطية بعد انفصال الجنوب. 

اتهامات بحصول قوات الدعم السريع على مسيّرات صينية أضيفت إلى تعقيدات المشهد، رغم النفي الرسمي الصيني.

الذهب واقتصاد الحرب

اقتصاد الصراع مثّل أحد محركات استمرار الحرب. تقارير دولية كشفت تهريب ما يقرب من 60% من إنتاج الذهب السوداني، مع ازدياد تدفقاته غير المشروعة عبر دول الجوار. 

الذهب تحوّل إلى وقود مباشر للصراع، يغذي شبكات السلاح والميليشيات ويطيل أمد الحرب.

الكارثة الإنسانية تتفاقم

تحذيرات برنامج الأغذية العالمي دقّت ناقوس الخطر، نقص التمويل يهدد بنفاد المساعدات خلال أسابيع، وملايين السودانيين باتوا على حافة المجاعة. 

تقليص الحصص الغذائية إلى الحد الأدنى يعكس عمق الأزمة، في ظل عجز دولي عن توفير تمويل فوري.

تنافس القوى الكبرى وعودة روسيا

السودان تحوّل إلى ساحة تنافس دولي مفتوح. واشنطن تسعى لاحتواء النفوذ الروسي ومنع تمركزه على البحر الأحمر، بينما موسكو وقّعت اتفاقًا لإنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان عام 2025، في خطوة وُصفت بأنها تحول جيوسياسي مهم. 

القاعدة المحتملة تمثل منصة استراتيجية لروسيا في إفريقيا، وتعكس احتدام المنافسة الدولية على واحد من أهم الممرات البحرية عالميًا.

خلاصة المشهد

الصراع في السودان لم يعد أزمة داخلية معزولة، بل بات عقدة إقليمية ودولية معقدة. 

الحل السياسي يظل الخيار الوحيد القادر على وقف النزيف، لكن نجاحه مرهون بإرادة دولية حقيقية، وضغط فعلي لوقف العنف، وتجفيف اقتصاد الحرب، وحماية المدنيين من صراع تجاوز حدود السودان إلى حسابات القوى الكبرى.

تم نسخ الرابط