اكتشافات أندلوثيا تُفند مزاعم «الدخلاء».. مرصد الأزهر يكشف الجذور الإسلامية لإسبانيا
مع مطلع عام 2026، لم تكن إقليم أندلوثيا الإسباني على موعد مع اكتشافات أثرية عادية، بل مع سلسلة من الشواهد التاريخية التي أعادت إحياء نقاش واسع حول الجذور الحقيقية للتاريخ الإسباني، وحول الدور العميق الذي لعبته الحضارة الإسلامية في تشكيل ملامحه العمرانية والثقافية والاجتماعية هذا الحراك العلمي والأثري المتسارع جاء ليقلب صفحات حاولت تيارات سياسية متطرفة طمسها أو اختزالها، وليعيد تقديم التاريخ بلغة الأدلة لا الشعارات.
في هذا السياق، برزت مدينتا إشبيلية وقرطبة بوصفهما مسرحًا لاكتشافات ودراسات من شأنها إعادة رسم العلاقة بين الحاضر الإسباني وماضيه الأندلسي، في وقت تتصاعد فيه خطابات اليمين المتطرف التي تصر على تقديم الوجود الإسلامي بوصفه دخيلًا أو طارئًا على الهوية الوطنية
مقابر أندلسية في قلب إشبيلية.. التاريخ يخرج من باطن الأرض
في مدينة إشبيلية، وأثناء أعمال توسعة الخط الثالث لمترو الأنفاق في حي «ماكارينا» التاريخي، فوجئ العمال والباحثون على حد سواء باكتشاف 40 مقبرة أندلسية تعود إلى العصور الوسطى.
هذا الاكتشاف، الذي جاء في قلب أحد أقدم أحياء المدينة وأكثرها ارتباطًا بالذاكرة الحضرية، شكّل صدمة معرفية إيجابية، وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول الامتداد الحقيقي للوجود الإسلامي داخل النسيج العمراني الإسباني.
المقابر المكتشفة، وفق المعطيات الأولية، تحمل خصائص الدفن الإسلامية المعروفة، سواء من حيث الاتجاه أو الطقوس الجنائزية، ما يؤكد أنها ليست مجرد شواهد عابرة، بل دليل مادي على مجتمع مستقر عاش ومات وترك أثره في المكان ذاته الذي تعيش فيه الأجيال الحالية.
تسعة قرون من الحضور المتصل
محمد إدريسي ألكاراز، ممثل «الجامعة الإسلامية في إسبانيا الأندلسية»، لم يتردد في وصف الاكتشاف بأنه «دليل قاطع» على أن الوجود الإسلامي في إشبيلية وأندلوثيا عمومًا لم يكن مرحلة عابرة أو نتاج موجات هجرة متأخرة، بل حضورًا تاريخيًا متصلًا امتد لأكثر من تسعة قرون.
وأكد ألكاراز أن مثل هذه الاكتشافات تقوّض الروايات التي تحاول تصوير المسلمين كجسم غريب عن التاريخ الإسباني، مشددًا على أن المجتمعات الإسلامية الأندلسية كانت جزءًا أصيلًا من البنية السكانية والاجتماعية، وأسهمت في بناء المدن وتشكيل ملامحها العمرانية والاقتصادية.
بين التطوير العمراني وصون الذاكرة التاريخية
من جهتها، اعتبرت هيئة البنية التحتية التابعة للمجلس العسكري لإقليم أندلوثيا أن هذه الحفريات تمثل فرصة تاريخية نادرة لتثمين تراث ظل لقرون حبيس النسيان.
وأكدت الهيئة أن التعامل مع الاكتشافات سيتم وفق رؤية توازن بين متطلبات التطوير العمراني الحديث وضرورة صون الذاكرة التاريخية، بما يسمح بدمج هذه الشواهد في الوعي الجمعي لسكان المدينة دون تعطيل مشاريع البنية التحتية.
هذا التوجه يعكس تحولًا في العقلية المؤسسية الإسبانية، حيث لم يعد التراث الإسلامي يُنظر إليه كعبء تاريخي أو مادة خلافية، بل كجزء من ثراء الهوية الوطنية يستحق الدراسة والحماية.
قرطبة.. العلم يعود إلى سقوف المسجد الجامع
بالتوازي مع الحراك الأثري في إشبيلية، شهدت قرطبة خطوة علمية لا تقل أهمية، تمثلت في إطلاق «مجلس مسجد-كاتدرائية قرطبة» أول دراسة شاملة ومعمقة للعناصر الخشبية في أسقف المسجد الجامع، أحد أبرز المعالم الإسلامية في أوروبا.
الدراسة، التي تتم بالتعاون مع المعهد الأثري الألماني وجامعتي «براونشفايغ» و«بامبرغ»، تمثل محاولة جادة لكسر عقود من الجمود البحثي الذي أحاط بهذا الصرح الفريد، عبر اعتماد أدوات علمية حديثة قادرة على تقديم قراءة دقيقة لتطوره المعماري عبر العصور.
أكثر من 500 عنصر خشبي تحت مجهر البحث العلمي
المشروع، الممول من مؤسسة البحوث الألمانية (DFG)، يستهدف توثيق وتحليل أكثر من 500 عنصر خشبي تاريخي باستخدام تقنيات «تأريخ الأشجار»، وهي من أكثر الأساليب دقة في تحديد الأزمنة التاريخية للمواد العضوية.
هذا النوع من الدراسات لا يكتفي بتحديد عمر الأخشاب، بل يفتح الباب لفهم أعمق لطرق البناء، وأنماط الترميم، والتأثيرات الحضارية المتبادلة التي شهدها المسجد الجامع منذ تأسيسه في العصر الإسلامي وحتى التحولات اللاحقة التي عرفها.
تعاون دولي ورسالة علمية واضحة
خواكين نيفا، عميد الكاتدرائية، أكد أن هذا التعاون الأكاديمي الدولي يعكس التزامًا مؤسسيًا حقيقيًا بالحفاظ على التراث العالمي بعيدًا عن القراءات الأيديولوجية الضيقة.
وأوضح أن الهدف ليس إعادة كتابة التاريخ وفق أهواء معاصرة، بل فهمه كما هو، استنادًا إلى الأدلة العلمية والمنهجيات الرصينة.
وأضاف أن النتائج المنتظرة من هذه الدراسة ستسهم في تقديم صورة أكثر شمولًا لتطور المسجد الجامع، بوصفه شاهدًا على حقبة ازدهار علمي وثقافي شكلت أحد أعمدة الحضارة الأوروبية.
مرصد الأزهر: الأدلة الأثرية تفضح خطاب «الدخلاء»
في قراءة تحليلية لهذه التطورات، اعتبر مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن اكتشافات إشبيلية ودراسات قرطبة تمثل ردًا عمليًا وموضوعيًا على خطابات اليمين المتطرف التي تحاول اختزال المسلمين في صورة «الوافدين» أو «الغرباء» عن المجتمع الإسباني.
وأشار المرصد إلى أن ظهور المقابر الأندلسية في قلب أحياء إسبانية عريقة، إلى جانب الدراسات العلمية المعمقة لمعالم إسلامية كبرى، ينسف سرديات الإقصاء من جذورها، ويؤكد أن الحضارة الإسلامية كانت حجر زاوية في بناء الشخصية الإسبانية، لا هامشًا طارئًا عليها.
المصالحة مع التاريخ في مواجهة الإسلاموفوبيا
وثمّن مرصد الأزهر التوجه المتنامي لدى المؤسسات الإسبانية نحو ما وصفه بـ«المصالحة مع التاريخ»، عبر اعتماد البحث العلمي والأدلة المادية وسيلة لتحرير الهوية التاريخية من الاستقطاب السياسي.
وأكد أن هذا المسار يسهم في تعزيز قيم المواطنة والاندماج، ويغلق الباب أمام «معامل الوهم» التي تتغذى على تزييف الحقائق التاريخية لتبرير الإسلاموفوبيا.