كيف أعاد قانون ذوي الإعاقة رسم خريطة الجمارك والسكن والعمل في مصر؟
في الوقت الذي تتصاعد فيه المطالبات المجتمعية بتعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، يبرز ملف حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة كأحد أكثر الملفات حساسية، ليس فقط من حيث النصوص القانونية، بل من حيث آليات التنفيذ والالتزام الفعلي بها. فقد أقرّ المشرّع المصري مجموعة واسعة من الامتيازات لذوي الإعاقة، في مقدمتها الإعفاءات الجمركية على المعدات والأجهزة المساعدة، والتيسيرات السكنية، إلى جانب حزمة من الحقوق الوظيفية التي تهدف إلى دمجهم الكامل في المجتمع وضمان حياة كريمة لهم.
الأساس القانوني: تشريعات تؤكد مبدأ المساواة
جاء قانون الأشخاص ذوي الإعاقة ليؤكد أن الإعاقة لا تنتقص من المواطنة، وأن الدولة ملتزمة بتوفير الحماية والرعاية والدعم لهذه الفئة، باعتبارهم شركاء أصيلين في المجتمع. ونصّ القانون صراحة على مجموعة من الالتزامات التي تقع على عاتق الجهات الإدارية، سواء في الإسكان أو الخدمات أو الإعفاءات الضريبية والجمركية.
هذه النصوص لم تأتِ من فراغ، بل جاءت انسجامًا مع الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها الدولة، وعلى رأسها الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تشدد على إزالة الحواجز المادية والاقتصادية والإدارية أمام هذه الفئة.
السكن حق لا منحة: تخصيص 5% من مشروعات الدولة
من أبرز ما نص عليه القانون، التزام الجهة الإدارية المختصة بتخصيص نسبة لا تقل عن 5% من المساكن التي تنشئها الدولة أو تساهم في دعمها، للأشخاص ذوي الإعاقة غير القادرين، شريطة استيفائهم للضوابط والشروط التي تحددها اللائحة التنفيذية.
ويُنظر إلى هذا النص باعتباره خطوة مهمة نحو تحقيق الاستقرار الاجتماعي لذوي الإعاقة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العقارات وصعوبة حصول الفئات الأكثر احتياجًا على سكن ملائم. إلا أن تطبيق هذا النص يظل مرهونًا بمدى التزام الجهات المنفذة، وشفافية إجراءات التخصيص، وسهولة الوصول إلى هذه الوحدات دون تعقيدات بيروقراطية.
إعفاءات تراخيص المباني: دعم مؤسسات خدمة ذوي الإعاقة
لم يقتصر القانون على الأفراد فقط، بل امتد ليشمل الكيانات التي تعمل على خدمة ذوي الإعاقة إذ نصّ على إعفاء تراخيص إقامة أي مبنى، أيًا كان نوعه، من الرسوم القانونية المقررة، إذا كان الغرض من إنشائه هو تخصيصه لخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة.
ويهدف هذا الإجراء إلى تشجيع الجمعيات والمؤسسات والمراكز المتخصصة على التوسع في تقديم خدماتها، سواء كانت تعليمية أو تأهيلية أو طبية، دون أن تمثل رسوم التراخيص عبئًا إضافيًا يعوق إنشاء هذه المنشآت.
إعفاء جمركي شامل: المعدات والأجهزة دون قيود ضريبية
في خطوة تعكس إدراك المشرّع لحجم الأعباء المالية التي يتحملها الأشخاص ذوو الإعاقة، نص القانون على إعفاء كامل من الضريبة الجمركية أيًا كان نوعها عن مجموعة واسعة من المستلزمات الضرورية.
وتشمل هذه الإعفاءات:
التجهيزات والمعدات الخاصة.
المواد التعليمية والطبية.
الوسائل المساعدة والأجهزة التعويضية.
آلات وأدوات التأهيل.
أجهزة التقنيات الحديثة والمعينات المساعدة.
ويشترط القانون أن يكون المستورد لهذه المعدات هو الشخص ذو الإعاقة نفسه بغرض الاستعمال الشخصي، أو إحدى الجهات أو الجمعيات أو المؤسسات المختصة بتقديم الخدمات لهذه الفئة، وذلك وفقًا لأحكام القانون ولائحته التنفيذية.
هذا الإعفاء يُعدّ ركيزة أساسية في تخفيف الأعباء المعيشية، خاصة أن الكثير من هذه الأجهزة مرتفعة التكلفة، ولا تتوافر بدائل محلية لها بالكفاءة المطلوبة.
وسائل النقل الفردية: حرية الحركة بضوابط
امتدت الإعفاءات الجمركية لتشمل أيضًا وسائل النقل الفردية المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة، باعتبارها أداة أساسية للاندماج المجتمعي والحياة المستقلة.
وأكد القانون أن الإعفاء يُمنح للشخص ذي الإعاقة، أيًا كانت إعاقته، سواء بنفسه أو من ينوب عنه، سواء كان قاصرًا أو بالغًا.
ووضع المشرّع ضوابط واضحة، من بينها:
الإعفاء عن وسيلة واحدة فقط كل خمس سنوات.
عدم جواز قيادة أو استعمال الوسيلة إلا من الشخص ذي الإعاقة نفسه، إذا سمحت حالته بذلك.
الالتزام بما تحدده الجهة المختصة بإصدار رخص القيادة.
هذه الضوابط تهدف إلى منع إساءة استخدام الإعفاء، وضمان وصوله إلى مستحقيه الحقيقيين.
الحقوق الوظيفية في قانون الخدمة المدنية
لم يغفل قانون الخدمة المدنية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة داخل بيئة العمل، باعتبارهم موظفين يتمتعون بكامل الحقوق ويلتزمون بكافة الواجبات. وجاءت مواده لتقر مجموعة من التيسيرات التي تراعي ظروفهم الصحية والاجتماعية.
تخفيض ساعات العمل اليومية
نص القانون على تخفيض عدد ساعات العمل اليومية بمقدار ساعة كاملة للموظف ذي الإعاقة، وكذلك للموظفة التي ترضع طفلها حتى بلوغه العامين، إلى جانب حالات أخرى تحددها اللائحة التنفيذية.
ويهدف هذا التخفيض إلى تخفيف الضغوط البدنية والنفسية، وتحقيق توازن أفضل بين العمل والحياة، دون الإخلال بالمسار الوظيفي أو الأجر.
إجازة سنوية ممتدة دون قيود
ومن أبرز المزايا التي أقرها القانون، منح الموظف من ذوي الإعاقة إجازة اعتيادية سنوية مدتها 45 يومًا، دون التقيد بعدد سنوات الخدمة، في تمييز إيجابي يعكس طبيعة احتياجاتهم الصحية والعلاجية.