ابتزاز خلف الشاشات.. كيف يدفع العالم الرقمي أطفالًا إلى حافة الانتحار؟
لم تعد المخاطر التي تهدد الأطفال حبيسة الشوارع أو البيئات التقليدية، بل انتقلت بقوة إلى العالم الافتراضي، حيث الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي. في هذا الفضاء المفتوح، يجد الأطفال أنفسهم عرضة لتهديدات نفسية شديدة، تبدأ في كثير من الأحيان برسائل ودية أو ألعاب تبدو بريئة، لكنها قد تنتهي بابتزاز وضغوط نفسية قاسية تهدد توازنهم النفسي، بل وحياتهم.
هذا ما حذرت منه سارة عزيز، عضو المجلس القومي للأمومة والطفولة، ومديرة ومؤسسة مبادرة Safe Egypt، مؤكدة أن الإنترنت أصبح ساحة خصبة لجرائم خطيرة تستهدف الأطفال، وعلى رأسها الابتزاز الجنسي والنفسي، في ظل غياب رقابة أسرية كافية.
انتحال الهويات.. المدخل الأخطر إلى عالم الابتزاز
تكشف سارة عزيز أن غالبية جرائم الابتزاز التي يتعرض لها الأطفال تبدأ بخطوة واحدة شديدة الخطورة: انتحال الهوية.
فالجناة، وفقًا لتأكيداتها، لا يظهرون في صورة مجرمين منذ البداية، بل يتخفون خلف شخصيات مزيفة؛ أحيانًا يدّعون أنهم أطفال في نفس العمر، وأحيانًا يستخدمون هويات وجنسًا مغايرًا، مستغلين براءة الضحايا ورغبتهم في تكوين صداقات أو الشعور بالاهتمام.
وخلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية كريمة عوض في برنامج «حديث القاهرة» المذاع عبر شاشة «القاهرة والناس»، أوضحت أن هذه الأساليب أصبحت أكثر تطورًا، وأن الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن 10 سنوات هم الأكثر عرضة للاستهداف، نظرًا لبدء اعتمادهم الأكبر على الهواتف المحمولة وتفاعلهم المستقل مع العالم الرقمي.
ساعات العزلة الرقمية.. خطر يتسلل بصمت
من أخطر المؤشرات التي لفتت إليها عضو المجلس القومي للأمومة والطفولة، هو عدد الساعات الطويلة التي يقضيها الطفل بمفرده أمام الهاتف أو الكمبيوتر.
فالعزلة الرقمية، في ظل غياب المتابعة الأسرية، تمنح الجناة مساحة واسعة للتواصل مع الطفل دون أي عوائق، وتسمح بتكوين علاقة نفسية معقدة قائمة على الترهيب أو الابتزاز أو الإيهام بالثقة.
وتؤكد عزيز أن ترك الطفل يستخدم مواقع التواصل الاجتماعي دون رقابة أو توعية حقيقية، لا يقل خطورة عن تركه في شارع مظلم دون حماية، مشددة على أن الرقابة لا تعني المنع الكامل، بل المتابعة الواعية والمستمرة.
إشارات استغاثة صامتة.. كيف يظهر الخطر على سلوك الطفل؟
الابتزاز والضغوط النفسية لا تمر دون آثار. فغالبًا ما ينعكس ما يتعرض له الطفل داخليًا على سلوكه اليومي، في صورة تغيرات مفاجئة قد لا ينتبه لها البعض.
وتوضح سارة عزيز أن من أبرز هذه العلامات:
تغيرات واضحة في السلوك دون سبب ظاهر
اضطرابات في النوم أو فقدان الشهية
توتر غير مبرر أو انعزال مفاجئ
اختلاف في طريقة الكلام أو نوبات غضب متكررة
خوف مفرط أو قلق دائم عند استخدام الهاتف
هذه المؤشرات، بحسب تحذيرها، لا يجب تجاهلها أو التقليل من شأنها، لأنها قد تكون نداء استغاثة غير معلن من طفل يتعرض لضغط نفسي يفوق قدرته على التحمل.
حين يتحول الخوف إلى تهديد للحياة
الأخطر في هذه الجرائم، كما تشير عزيز، هو الوصول بالطفل إلى مرحلة الانهيار النفسي الكامل.
فالتعرض لتهديدات نفسية شديدة، خاصة إذا اقترنت بابتزاز أو تهديد بالفضيحة، قد يدفع بعض الأطفال إلى التفكير في إيذاء أنفسهم أو حتى إنهاء حياتهم، هربًا من الضغط والخوف والشعور بالعجز.
وتحذر من أن الطفل في هذه الحالات لا يرى حلولًا، ولا يملك الخبرة النفسية التي تمكنه من التعامل مع الأزمة، ما يجعل التدخل الأسري السريع ضرورة لا تقبل التأجيل.
الأسرة خط الدفاع الأول
تؤكد عضو المجلس القومي للأمومة والطفولة أن الأسرة تظل خط الدفاع الأول والأهم في حماية الأطفال من هذه المخاطر.
فالمتابعة الدائمة، والحوار المفتوح، وتوعية الأطفال بأساليب الخداع والابتزاز، كلها أدوات أساسية لتقليل فرص وقوعهم ضحايا.
كما شددت على ضرورة عدم ترك الأطفال يستخدمون الهواتف المحمولة والإنترنت دون رقابة أو توجيه، مع خلق بيئة آمنة تشجع الطفل على التحدث دون خوف أو تهديد حال تعرضه لأي موقف مقلق.
مسؤولية مجتمعية تتجاوز الأسرة
ولا تقتصر المسؤولية، وفق التحذيرات، على الأسرة وحدها، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، من مؤسسات تعليمية وإعلامية وتشريعية، مطالبة بتكثيف حملات التوعية، وتوفير آليات واضحة وسريعة للإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية التي تستهدف الأطفال.