رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

شيخ الأزهر يحسم الجدل: تهنئة المسيحيين بالأعياد التزام ديني وقيمة وطنية راسخة

شيخ الأزهر الشريف
شيخ الأزهر الشريف

مع تكرار مواسم الأعياد المسيحية، يعود الجدل إلى الواجهة حول مشروعية تهنئة المسيحيين، بين أصوات متشددة تحاول تصوير الأمر كخروج عن الثوابت، ومواقف دينية مستنيرة تؤكد أن التعايش والبر والإنصاف جزء أصيل من جوهر الإسلام. 

وفي قلب هذا الجدل، جاءت رسائل الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لتضع النقاط فوق الحروف، وتحسم الأمر من منطلق ديني ووطني وإنساني.

موقف الأزهر: تهنئة الأعياد سلوك نابع من صميم الإسلام

أكد الإمام الأكبر أن تهنئة المسيحيين في أعيادهم ليست مجرد مجاملة اجتماعية، بل هي انعكاس مباشر للقيم الإسلامية السمحة التي تقوم على الرحمة والمودة واحترام الإنسان لكونه إنسانًا. وبيّن أن الإسلام، في نصوصه القطعية ومقاصده الكبرى، لم يعرف الإقصاء أو العداء لمجرد الاختلاف في العقيدة، بل أسس لعلاقات إنسانية راقية تقوم على البر والعدل.

وأوضح شيخ الأزهر أن هذا السلوك يعكس تمسكًا حقيقيًا بالهوية الوطنية المصرية، تلك الهوية التي صاغها التاريخ المشترك، ورسختها معايشة المسلمين والمسيحيين عبر قرون طويلة من الشراكة في الوطن والمصير.

الإسلام والآخر: مودة إنسانية لا صراع ديني

في رسائله، شدد الإمام الأكبر على أن الإسلام ينظر إلى غير المسلمين من زاوية الأخوة الإنسانية، لا من منظور الصراع أو الخصومة. واستشهد بالمبدأ القرآني الواضح الذي يؤكد أن العلاقة مع من لم يعتدِ ولم يحارب هي علاقة قائمة على البر والقسط، وهو ما يشكل قاعدة أخلاقية وتشريعية تحكم تعامل المسلمين مع أصحاب الديانات الأخرى.

وأكد أن هذا الفهم ليس اجتهادًا طارئًا أو قراءة معاصرة، بل هو أصل ثابت في الفقه الإسلامي، تبنّته المدارس الفقهية الكبرى، وكرسته الممارسة التاريخية للحضارة الإسلامية.

المساواة بين المواطنين: أصل شرعي لا يقبل الجدل

من أبرز النقاط التي ركز عليها شيخ الأزهر تأكيده أن المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين هي مبدأ راسخ في الشريعة الإسلامية. وأوضح أن اختلاف المعتقد الديني لا يترتب عليه أي انتقاص من الحقوق، ولا يبرر أي تمييز في الواجبات أو المعاملة.

وأشار إلى أن مفهوم المواطنة في الإسلام لا يقوم على اللون أو الدين أو العرق، بل على الانتماء للوطن والالتزام بقوانينه، وهو ما يجعل التعايش بين المسلمين والمسيحيين في مصر نموذجًا متجذرًا لا طارئًا.

حرية العبادة وقدسية دورها: حماية شاملة بلا استثناء

وتناول الإمام الأكبر قضية حرية ممارسة الشعائر الدينية، مؤكدًا أن الشريعة الإسلامية تكفل هذه الحرية لجميع المواطنين دون تفرقة.
وأوضح أن الدفاع عن دور العبادة واجب شرعي، يشمل المساجد والكنائس والمعابد اليهودية على السواء، انطلاقًا من مبدأ قدسية أماكن العبادة وحرمة الاعتداء عليها.

وأضاف أن صون دور العبادة ليس مجرد موقف أخلاقي، بل التزام ديني أصيل نصت عليه مقاصد الشريعة، التي جاءت لحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض، دون تمييز بين أتباع الديانات.


لا للتمييز… نعم للتعارف والتعاون

وشدد شيخ الأزهر على أن الإسلام يرفض رفضًا قاطعًا أي شكل من أشكال التمييز بين المواطنين على أساس الدين وبيّن أن العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب تقوم على مبدأ التعارف، كما نص القرآن الكريم، وعلى التعاون فيما يحقق الصالح العام ويخدم المجتمع.

وأكد أن هذا التعاون لا يمس ثوابت العقيدة، ولا يعني ذوبان الخصوصيات الدينية، بل يعكس نضجًا حضاريًا وقدرة على إدارة الاختلاف دون صدام.


رسائل «صوت الأزهر»: تفنيد الشبهات ومواجهة الفكر الشاذ

وجاءت هذه المواقف عبر سلسلة من الرسائل التفصيلية التي نشرتها جريدة «صوت الأزهر»، الناطقة باسم الأزهر الشريف، حيث تصدت تلك الرسائل لما وصفته بالآراء المغلوطة والشاذة التي تثار بين الحين والآخر حول طبيعة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر.

وسعت الرسائل إلى تفكيك الخطاب المتشدد، وكشف تناقضه مع النصوص الشرعية وروح الإسلام، مؤكدة أن هذه الطروحات لا تمثل الإسلام في شيء، ولا تعبر عن منهج الأزهر الذي ظل، عبر تاريخه الممتد لأكثر من ألف عام، منارة للوسطية والاعتدال.

الأزهر والتاريخ: مدرسة في التعايش والاعتدال

وأوضحت الرسائل أن الأزهر الشريف، منذ نشأته، كان حارسًا لقيم التعايش والسلم المجتمعي، ورافضًا لكل محاولات بث الفتنة أو زرع الانقسام بين أبناء الوطن الواحد ولم يكن موقفه من تهنئة المسيحيين وليد اللحظة، بل هو امتداد طبيعي لدوره التاريخي في ترسيخ ثقافة العيش المشترك.

 

 

تم نسخ الرابط