إلى أين تتجه أسعار الذهب في 2026؟.. مكاسب قياسية تحققت العام الماضي
شهد عام 2025 زلزالاً اقتصادياً لم تكن الأسواق المالية بمنأى عن ارتداداته العنيفة، حيث انتفضت أسعار الذهب من عقاله ليحقق قفزة تاريخية هي الأضخم منذ ما يقرب من نصف قرن، وتحديداً منذ عام 1979، معلناً بذلك سيادة المعدن الأصفر كحاكم مطلق للملاذات الآمنة في زمن تآكلت فيه الثقة في العملات الورقية التقليدية، وانحسرت فيه الضمانات التي كانت تقدمها السندات السيادية والأسواق الرأسمالية المتخبطة تحت وطأة قرارات نقدية متذبذبة وضغوط جيوسياسية غير مسبوقة.
ارتفاع قياسي في أسعار الذهب
لقد استهلت أسعار الذهب رحلتها في مطلع عام 2025 بهدوء حذر، لكنه سرعان ما تحول إلى إعصار سعري داخل السوق المحلية المصرية، حيث سجل جرام الذهب عيار 21 زيادة خيالية تجاوزت 56% بقيمة بلغت 2090 جنيهًا، لينطلق من مستوى 3740 جنيهًا للجرام وصولاً إلى ذروته التاريخية التي لامست 6100 جنيه في أواخر ديسمبر، وهو ما يعكس حالة من الهلع الاستثماري والرغبة المحمومة لدى الأفراد والمؤسسات في التحوط ضد تقلبات العملة وتدهور القوة الشرائية.
وهذا المشهد لم يختلف كثيراً عن البورصة العالمية التي شهدت ارتفاعاً مذهلاً للأوقية بنسبة تجاوزت 65%، محطمة كافة الحواجز النفسية لتستقر عند مستويات تاريخية لم تعهدها الأسواق من قبل.
أسباب ارتفاع أسعار الذهب
وهذا الصعود الدراماتيكي لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة مضاربات عابرة، بل جاء نتاج تضافر مجموعة من المحركات الهيكلية التي أعادت تشكيل مفهوم المخاطرة عالمياً، وعلى رأسها السياسة الضبابية التي انتهجها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والذي فضل البقاء في منطقة "الترقب والانتظار" بدلاً من الحسم، مما خلق فراغاً في اليقين النقدي دفع المستثمرين للهروب نحو الأصل الذي لا يخذل حائزه وقت الأزمات.
تكالب البنوك المركزية على شراء الذهب
يأتي هذا تزامناً مع تحول استراتيجي عميق في سلوك البنوك المركزية الكبرى، لا سيما في الصين وتركيا والاقتصادات الناشئة، التي بدأت في تقليص اعتمادها على الدولار الأمريكي لصالح زيادة احتياطياتها من الذهب، في خطوة وصفت بأنها "تسييس للمال" ورد فعل مباشر على استخدام العملة الصعبة كأداة للضغط السياسي والعقوبات الاقتصادية.
وبينما كانت الصراعات الجيوسياسية والحروب التجارية تشعل فتيل القلق في نفوس المستثمرين، كان الذهب يقتنص الفرص ليعزز مكانته كبديل شرعي للسندات والأسهم، مستفيداً من تراجع العوائد الحقيقية واتساع فجوة الدين العام الأمريكي التي أدت بدورها إلى إضعاف هيبة الدولار في الأسواق الدولية، مما جعل المعدن النفيس يبدو أكثر جاذبية لحائزي العملات الأخرى، وفتح الباب أمام تدفقات نقدية ضخمة من قبل صناديق الاستثمار العالمية التي أعادت موازنة محافظها لتجعل الذهب ركيزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها في ظل بيئة اقتصادية تتسم بضبابية الرؤية وغياب الاستقرار.
إلى أين تتجه أسعار الذهب في 2026؟
ومع استقبال عام 2026، يبدو أن الذهب لم يستنفد كامل طاقته بعد، رغم حالة الانقسام التي تسود أروقة المؤسسات المالية الدولية حول مساره القادم، فبينما يراهن "جولدمان ساكس" و"بنك أوف أمريكا" على استمرار الصعود واختراق مستويات قياسية جديدة مدعومة ببيئة الفائدة المنخفضة والطلب السيادي المستمر، تميل مؤسسات أوروبية أخرى إلى تبني رؤية أكثر تحفظاً تتوقع مرحلة من التماسك السعري والاستقرار عند القمم المحققة.
واعتبرت هذه المؤسسات أن معظم المخاطر الجيوسياسية قد جرى استيعابها بالفعل في تسعير العام الماضي، إلا أن الإجماع يظل معقوداً على أن الذهب سيظل "اللاعب الأهم" في 2026، طالما ظلت القرارات الاقتصادية الكبرى تُدار بمنطق الأزمات، وطالما بقي العالم يبحث عن نقطة ارتكاز صلبة وسط أمواج متلاطمة من انعدام اليقين.