فتاوى تحسم الجدل: تهنئة غير المسلمين جائزة شرعًا والأبراج خطر على العقيدة
في ظل تزايد النقاشات المجتمعية عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي حول حدود التعامل مع غير المسلمين، وحول الانتشار الواسع لصفحات الأبراج والتوقعات الفلكية، عاد الجدل الديني ليطرح أسئلة حساسة تتعلق بالعقيدة والسلوك اليومي للمسلم.
هل تهنئة غير المسلمين في أعيادهم جائزة شرعًا أم تعد تجاوزًا دينيًا؟ وما حكم متابعة الأبراج التي تحولت من زوايا صغيرة في الصحف إلى صناعة رقمية ضخمة تستقطب ملايين المتابعين؟
في هذا السياق، جاءت توضيحات دار الإفتاء المصرية ومركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية لتضع النقاط على الحروف، وتفصل بين ما هو جائز شرعًا في باب المعاملات الإنسانية، وما هو محرم في باب العقائد والإيمان بالغيب.
دار الإفتاء تحسم الجدل: التهنئة باب من أبواب المجاملة المشروعة
أكدت دار الإفتاء المصرية، في بيان واضح وحاسم، أنه لا يوجد أي مانع شرعي من تهنئة غير المسلمين بأعيادهم ومناسباتهم الاجتماعية الخاصة، مشددة على أن هذا السلوك لا يمثل خروجًا عن تعاليم الإسلام ولا مساسًا بجوهر العقيدة.
وأوضحت الدار أن الشريعة الإسلامية فرّقت بوضوح بين العقيدة، التي لا تقبل المساومة أو الخلط، وبين المعاملة الإنسانية التي تقوم على البر والعدل وحسن الخلق، معتبرة أن التهنئة تدخل في إطار المجاملة الاجتماعية وتبادل التحية، وليس في باب الإقرار بالمعتقد أو المشاركة الدينية.
دليل قرآني واضح: التحية مبدأ إنساني شامل
استندت دار الإفتاء في رأيها إلى نص قرآني صريح، وهو قوله تعالى:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86].
وأكدت أن الآية جاءت بصيغة عامة، ولم تفرق بين مسلم وغير مسلم، ما يدل على أن مبدأ التحية والتعامل الحسن أصل شرعي ثابت، وأن التهنئة في المناسبات المختلفة تُعد صورة من صور التحية التي حث عليها الإسلام.
وأضافت الدار أن السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي مليئان بالنماذج التي تعكس سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين، سواء في تبادل التحية أو في حفظ الحقوق أو في حسن الجوار.
الأزهر يحذر: الأبراج ادعاء لعلم الغيب
شدد مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية على موقفه الصارم من قضية الأبراج والتوقعات الفلكية، مؤكدًا أنها تتعارض بشكل مباشر مع تعاليم الإسلام وأصول العقيدة.
وأوضح الشيخ سيد عرفة، عضو المركز، أن فكرة الأبراج المنتشرة في المجلات والمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي تقوم في جوهرها على ادعاء معرفة الغيب، سواء تعلق الأمر بالحظ أو المستقبل أو الرزق أو العلاقات، وهو أمر محرم شرعًا بإجماع العلماء.
وأشار الشيخ سيد عرفة إلى أن ما يُعرف بالأبراج ليس إلا صورة حديثة من صور الكهانة والدجل، حتى وإن قُدِّم في قالب ترفيهي أو تسويقي جذاب، مؤكدًا أن الكاهن أو العرّاف بأي مسمى يدعي علمًا لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى.
وأكد أن القرآن الكريم حسم هذه المسألة بنصوص قاطعة، تقرر أن الغيب من خصائص الله وحده، وأن أي ادعاء بشري لمعرفته يُعد تعديًا على مقام الألوهية.
أحاديث نبوية تحذر من تصديق العرافين
وخلال مداخلة هاتفية، استشهد الشيخ سيد عرفة بعدد من الأحاديث النبوية التي تحذر من إتيان العرافين أو تصديقهم، مؤكدًا أن من يصدقهم فيما يقولون يكون قد وقع في خطر عظيم، يصل بحسب النصوص الشرعية إلى الخروج من دائرة الإيمان بما أنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وأوضح أن خطورة الأبراج لا تكمن فقط في قراءتها، بل في تصديقها وربط القرارات الحياتية بها، ما يؤدي إلى خلل في التوكل على الله وتشويش العقيدة.
بين الفضول والفتنة: درجات التعامل مع الأبراج
وبيّن عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى أن التعامل مع الأبراج ينقسم إلى ثلاث فئات رئيسية:
العلماء والمتخصصون الذين يطّلعون عليها بغرض التفنيد وكشف زيفها وتحذير الناس من خطرها.
المطّلعون بدافع الفضول أو التسلية، وهؤلاء يُحذَّرون من الاستمرار، لأن الفضول قد يتحول إلى تصديق مع الوقت.
عامة المسلمين، وهم الفئة الأوسع، التي يُنصح أفرادها بالابتعاد التام عن متابعة الأبراج حفاظًا على سلامة العقيدة.
وأكد أن مجرد المتابعة بدافع التسلية تُعد أمرًا مكروهًا شرعًا، لأنها قد تفتح باب الفتنة وتضعف يقين الإنسان بقدرة الله وتقديره.
اقتباس من السحر المحرم
وأشار الشيخ سيد عرفة إلى تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من تعلم أو اقتباس علم النجوم والأبراج، موضحًا أن الانشغال بها يُعد نوعًا من الاقتباس من السحر المحرم، لما تحمله من أوهام وتأثيرات نفسية وعقدية خطيرة.
وأضاف أن اتباع الأبراج يتعارض بشكل مباشر مع عقيدة التوحيد، لأنه يعلّق قلب الإنسان بغير الله، ويجعله أسير توقعات وهمية بدلًا من الثقة في قضاء الله وقدره.