أهم عبادة في شهر رجب.. سرّ روحي مهمل يسبق شهر رمضان
مع إطلالة شهر رجب من كل عام هجري، تتجدد الأسئلة حول مكانته الروحية وأهميته الدينية، باعتباره واحدًا من الأشهر الحُرُم التي عظّمها الله في كتابه الكريم، وحرّم فيها القتال، وخصّها بمزيد من الحرمة والتقديس ويأتي رجب في توقيت بالغ الحساسية ضمن التقويم الهجري، إذ يسبق شهر شعبان، الذي يُعد بدوره الجسر المباشر المؤدي إلى شهر رمضان المبارك، ما يجعل رجب بمثابة “مرحلة الإعداد الإيماني” التي تُهيّئ القلب والجوارح للدخول في أعظم مواسم العبادة.
وفي هذا السياق، يؤكد علماء الشريعة أن المسلم الواعي يغتنم شهر رجب للبدء في مراجعة علاقته بالله، والابتعاد عن الذنوب والمعاصي، وترويض النفس على الطاعة، حتى لا يدخل رمضان فجأة بقلب مثقل بالغفلة أو نفس لم تعتد بعد على العبادة.
رجب من الأشهر الحُرُم.. دلالة قرآنية ومعنى عميق
تكمن القيمة الشرعية لشهر رجب في كونه واحدًا من الأشهر الحُرُم الأربعة التي نصّ عليها القرآن الكريم صراحة، في قوله تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].
وتحمل هذه الآية توجيهًا مباشرًا للمؤمنين بضرورة مضاعفة الحذر من الظلم، سواء كان ظلم النفس بالمعاصي، أو ظلم الآخرين، في هذه الأشهر التي عظّمها الله، ومن بينها شهر رجب، وهو ما يفرض على المسلم مسؤولية أخلاقية وسلوكية مضاعفة.
لماذا يُعد الدعاء أهم عبادة في شهر رجب؟
وسط تعدد الطاعات والعبادات التي يُستحب الإكثار منها في شهر رجب، يبرز الدعاء بوصفه العبادة الأهم والأعمق أثرًا، ليس فقط من الناحية الشرعية، بل من حيث تأثيره المباشر في حياة الإنسان.
فقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا دخل شهر رجب، أكثر من الدعاء، وكان يقول:
«اللهم بارك لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا رمضان»، وهو دعاء جامع يحمل في معانيه طلب البركة في الوقت والعمل، والاستعداد النفسي والروحي لبلوغ شهر الصيام.
ويُجمع العلماء على أن الدعاء في رجب ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو إعلان افتقار كامل إلى الله، وبداية تصحيح المسار قبل الدخول في موسم رمضان، حيث تتنزل الرحمات وتُفتح أبواب الجنان.
دار الإفتاء: الدعاء والمناجاة أساس العبادة في رجب
في هذا الإطار، أكدت دار الإفتاء المصرية أن من أبرز العبادات التي يُستحب الإكثار منها خلال شهر رجب هي الدعاء والمناجاة، مشددة على أن الدعاء هو “لبّ العبادة”، كما ورد في الحديث الشريف.
وتوضح الإفتاء أن شهر رجب فرصة ذهبية ليخلو العبد بربه، يناجيه بما في قلبه من هموم، ويعرض عليه آماله وآلامه، ويطلب العون والتوفيق، خاصة أن الدعاء يفتح للإنسان أبواب السكينة والطمأنينة، ويُعيد ترتيب الأولويات في حياته.
دعاء جامع لشهر رجب.. كلمات تختصر المنهج
من الأدعية الجامعة التي يُستحب ترديدها في شهر رجب، الدعاء التالي:
«اللهمَّ بارِكْ لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا شهر رمضان، وأعِنَّا على الصيام والقيام، وحفظ اللسان، وغضِّ البصر، ولا تجعل حظَّنا منه الجوع والعطش».
ويحمل هذا الدعاء مضامين تربوية عميقة، إذ لا يقتصر على طلب بلوغ رمضان، بل يمتد ليشمل حسن استثماره، وضبط الجوارح، وتحقيق مقاصد الصيام الحقيقية، بعيدًا عن الشكل دون الجوهر.
أعمال مستحبة في شهر رجب.. برنامج إيماني متكامل
إلى جانب الدعاء، يوصي العلماء بعدد من الأعمال والطاعات التي يُستحب الإكثار منها خلال شهر رجب، باعتباره شهر التهيئة الروحية، ومن أبرزها:
الإكثار من العمل الصالح، والمواظبة على الطاعات، حتى تصبح عادة مستمرة في باقي الشهور.
الاجتهاد في الصيام والصلاة، لا سيما صيام النوافل، باعتبار رجب من الأشهر الحُرُم.
ترك الظلم بجميع صوره، سواء ظلم النفس أو الآخرين، امتثالًا للأمر القرآني.
الإكثار من الصدقات، لما لها من أثر في تزكية النفس وتطهير المال وجبر خواطر المحتاجين.
فضل شهر رجب.. أحداث تاريخية ومكانة خاصة
يحمل شهر رجب خصوصية تاريخية ودينية، إذ شهد عددًا من الأحداث الكبرى في مسيرة الإسلام، أبرزها حادثة الإسراء والمعراج، تلك المعجزة العظيمة التي كرّم الله بها نبيه ﷺ، وفرض خلالها الصلاة.
كما تشير الروايات إلى أن تحويل قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة وقع في منتصف شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، وفق ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما، ما يضفي على الشهر بعدًا تاريخيًا وتشريعيًا بالغ الأهمية.
الصيام في رجب.. توجيه نبوي ومنهج تربوي
ورغم عدم ورود نص خاص يفرض صيام شهر رجب، فإن النبي ﷺ حثّ على الصيام في الأشهر الحُرُم عمومًا، ومنها رجب، باعتباره تدريبًا للنفس وتهيئة لها قبل رمضان.
وجاء في الأثر أن رجلًا بالغ في الصيام، فنصحه النبي ﷺ أن يصوم رمضان ويومًا من كل شهر، ثم زاده يومين، ثم ثلاثة أيام، ثم قال له في النهاية: «صُم من الحُرُم»، في إشارة إلى فضل الصيام فيها دون إفراط أو مشقة.