التعليم: نهاية عصر بيزنس الكتب الخارجية والدروس الخصوصية وعودة المدرسة لدورها الحقيقي
في خطوة وُصفت بأنها الأجرأ منذ سنوات، أعلنت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، برئاسة الدكتور محمد عبد اللطيف، عن حزمة قرارات مصيرية تستهدف تفكيك ما يُعرف بـ«بيزنس الكتب الخارجية والدروس الخصوصية»، ذلك الملف الشائك الذي استنزف ميزانيات الأسر المصرية وحوّل التعليم من حق دستوري إلى عبء اقتصادي متراكم.
القرارات الجديدة لا تأتي كإجراءات منفصلة، بل ضمن رؤية شاملة لإعادة الاعتبار للمدرسة الحكومية، وتحويلها مجددًا إلى المصدر الأساسي والوحيد للتعليم، بعد سنوات من تراجع دورها لصالح مراكز الدروس الخصوصية وسوق الكتب الخارجية.
مليارات تُهدر سنويًا.. لماذا تحركت الوزارة الآن؟
بحسب تصريحات الوزير، فإن سوق الكتب الخارجية في مصر يُقدَّر بمليارات الجنيهات سنويًا، تتحملها الأسر في محاولة لتعويض قصور العملية التعليمية داخل المدارس هذا الواقع خلق نظامًا تعليميًا موازيًا، لا يخضع للرقابة الكافية، ويُكرّس الفجوة الطبقية بين الطلاب.
ومن هنا، جاء التحرك الحاسم لإنهاء هذا النزيف المالي، عبر تطوير المناهج، وتوفير أدوات تعليمية رسمية ومجانية، تقلل الحاجة إلى أي مصادر خارجية.
تطوير شامل للمناهج.. من الحفظ إلى الفهم
أكد وزير التعليم أن تطوير المناهج لم يعد رفاهية، بل ضرورة حتمية، مشيرًا إلى أن الوزارة انتهت بالفعل من تطوير مناهج اللغة العربية حتى الصف الثاني الإعدادي، بما يركز على الفهم والتحليل بدلًا من الحفظ والتلقين.
كما شمل التطوير مناهج اللغة الإنجليزية من مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثالث الثانوي، بهدف بناء مهارات لغوية حقيقية، تتماشى مع المعايير الدولية، وتُهيئ الطلاب لسوق العمل العالمي.
الرياضيات على الطريقة اليابانية
في إطار الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة، كشف الوزير عن تحديث منهج الرياضيات للصف الأول الابتدائي بالتعاون مع الجانب الياباني، ضمن خطة تمتد لخمس سنوات، تهدف إلى مواءمة المناهج المصرية مع المعايير اليابانية المعروفة بدقتها وفاعليتها في بناء التفكير المنطقي.
هذه الخطوة لا تستهدف فقط تحسين مستوى التحصيل، بل إعادة تشكيل عقلية الطالب، وتعليمه كيف يفكر، لا ماذا يحفظ.
شراكة جديدة لتطوير مناهج العلوم
لم تتوقف الشراكة المصرية اليابانية عند الرياضيات، إذ تستعد الوزارة لتوقيع اتفاقية جديدة لتطوير مناهج العلوم في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، مع التركيز على تبسيط الشرح وربط المناهج بالتجارب العملية.
الهدف المعلن هو تمكين الطلاب من إجادة العلوم واللغات بأسلوب ميسر، يُشجع على الفهم والاستكشاف، بدلًا من الرهبة التقليدية من المواد العلمية.
كتب تقييم مجانية لأول مرة
في سابقة هي الأولى من نوعها، أعلنت الوزارة إصدار كتب تقييمات رسمية إلى جانب الكتب المدرسية، تتضمن أسئلة تقييم أسبوعية، وواجبات منزلية، وتدريبات شاملة، تُقدَّم مجانًا لطلاب المدارس الحكومية.
هذه الخطوة تستهدف ضرب عصب الكتب الخارجية، وتوفير بديل قوي وموثوق، يُغني الطالب عن اللجوء لأي مصادر مدفوعة. أما المدارس الخاصة، فستتاح لها هذه الكتب بمقابل، ضمن إطار تنظيمي واضح.
إدراج اللغة العربية والتاريخ في المجموع
أحد القرارات اللافتة تمثّل في إدراج مادتي اللغة العربية والتاريخ ضمن المجموع في المدارس الدولية، بعد سنوات من تدريس العربية كمادة هامشية خارج التقييم.
الوزارة اعتبرت هذا الوضع خللًا تربويًا وثقافيًا، وقررت تصحيحه حفاظًا على الهوية الوطنية، وتعزيز ارتباط الطلاب بلغتهم وتاريخهم، مهما كانت طبيعة النظام التعليمي الذي يدرسون فيه.
مواجهة مباشرة مع «مافيا الكتب الخارجية»
لم يُخفِ الوزير أن القرارات الجديدة ستصطدم بمصالح اقتصادية ضخمة، لكنه شدد على أن مصلحة الطالب والأسرة تأتي أولًا.
وأكد أن مؤشرات أولية أظهرت تراجع اعتماد الطلاب على الكتب الخارجية، لصالح الكتب المدرسية وكتب التقييم الرسمية.
وتتوقع الوزارة أن تنعكس هذه التحولات بوضوح في نتائج الامتحانات المقبلة، ما سيُشكل اختبارًا حقيقيًا لنجاح المنظومة الجديدة
منصة رقمية موحدة.. التعليم في قبضة التكنولوجيا
ضمن خطة التحول الرقمي، تعمل الوزارة بالتعاون مع اليابان ووزارة الاتصالات على إنشاء منصة تعليمية رقمية موحدة، تضم المناهج، والتقييمات، ومتابعة أداء الطلاب، في إطار مركزي ومنظم.
المنصة تستهدف دمج التكنولوجيا في التعليم بشكل عملي، وتسهيل وصول الطلاب وأولياء الأمور إلى المحتوى التعليمي، دون الحاجة إلى مصادر غير رسمية.
تقليص الدروس الخصوصية بأكثر من 50%
أكد الوزير أن تعزيز الحضور المدرسي، وتنظيم مجموعات تقوية داخل المدارس، أسهما في تقليل الاعتماد على الدروس الخصوصية والسناتر بنسبة تجاوزت 50%.