وزير الصحة يفتح ملف الأخطاء الطبية: منظومة وطنية للإبلاغ الآمن دون خوف من العقاب
تضع وزارة الصحة والسكان ملف سلامة المرضى في صدارة أولويات تطوير المنظومة الصحية في مصر، مع التوجه نحو تعميم منظومة وطنية آمنة للإبلاغ عن الأحداث العارضة والأخطاء الطبية، بما يتيح رصد أوجه القصور والتعلم منها وتجنب تكرارها، بدلًا من التعامل مع الوقائع باعتبارها مجرد أخطاء فردية تنتهي بانتهاء الواقعة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه أهمية بناء منظومة صحية لا تكتفي بتوفير العلاج والأدوية والأجهزة الطبية، بل تضع حماية المريض وتقليل المخاطر داخل المنشآت الصحية في قلب خطط التطوير، من خلال تحسين جودة الخدمات، ورفع كفاءة الأطقم الطبية، وتعزيز آليات الرقابة والتقييم.
وأكد الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، أن ضمان سلامة المريض أصبح أولوية عالمية للأنظمة الصحية، مشيرًا إلى أن مصر تشهد دعمًا رئاسيًا متواصلًا للقطاع الصحي، يشمل مختلف مستويات الرعاية، بدءًا من الرعاية الصحية الأولية ومبادرات الصحة العامة، وصولًا إلى تطوير غرف الرعاية وتحسين الخدمات المرتبطة بقوائم الانتظار.
وجاءت تصريحات الوزير خلال كلمته في احتفالية «اليوم العالمي لسلامة المريض»، التي شهدت استعراض جهود الدولة في تطوير منظومة الجودة والرعاية الصحية، إلى جانب الخطوات المؤسسية والتشريعية الرامية إلى حماية المرضى وتعزيز الثقة في الخدمات الطبية.
يمثل تعميم منظومة وطنية آمنة للإبلاغ عن الأحداث العارضة والأخطاء الطبية أحد أبرز المحاور التي أعلنها وزير الصحة، إذ تستهدف هذه المنظومة إتاحة آلية مؤسسية لرصد الوقائع التي قد تؤثر في سلامة المرضى، وتحليل أسبابها، والاستفادة من نتائجها في تطوير الإجراءات الطبية والإدارية داخل المنشآت الصحية.
وشدد الوزير على أهمية إرساء ثقافة مؤسسية تقوم على التعلم من الأخطاء دون خوف من العقاب، بما يساعد على اكتشاف مواطن الخلل مبكرًا، ووضع حلول عملية لمنع تكرار الحوادث، وتعزيز سلامة الممارسات الطبية.
ولا يقتصر الهدف من الإبلاغ عن الأحداث العارضة على تسجيل الوقائع بعد حدوثها، بل يمتد إلى فهم الأسباب التي أدت إليها، وتحديد العوامل المرتبطة ببيئة العمل والإجراءات المتبعة والتواصل بين الفرق الطبية، بما يتيح تطوير نظم العمل وتحسين مستوى الحماية المقدمة للمرضى.
وتبرز أهمية هذا التوجه في أن سلامة المريض مسؤولية مشتركة تتطلب تعاون الأطباء وهيئات التمريض والإدارات الصحية والجهات الرقابية، إلى جانب وجود قواعد واضحة للتعامل مع الوقائع وتقييمها، بما يحقق التوازن بين التعلم من الأخطاء والمساءلة وفقًا للقانون والضوابط المنظمة.
وأوضح وزير الصحة أن الوزارة اتخذت خطوات مؤسسية لتعزيز سلامة المرضى، من بينها إصدار قانون المسؤولية الطبية وسلامة المريض، واستحداث إدارة عامة متخصصة في سلامة المرضى ضمن الهيكل التنظيمي الجديد للوزارة.
كما شملت الإجراءات تشكيل لجنة عليا لرفع مستوى جودة الخدمات الصحية وتعزيز سلامة المرضى، بمشاركة مختلف القطاعات الصحية، بما فيها القطاعات العسكرية والشرطية والخاصة، إلى جانب المجتمع المدني.
وتعكس هذه الخطوات توجهًا نحو توحيد الجهود بين الجهات العاملة في القطاع الصحي، وتطوير آليات التنسيق والرقابة، بحيث لا تظل سلامة المرضى مسؤولية جهة واحدة، وإنما تصبح جزءًا أساسيًا من منظومة تقديم الخدمة الصحية في مختلف المؤسسات.
وفي السياق نفسه، أشار الوزير إلى إطلاق الاستراتيجية الوطنية للجودة وسلامة المريض للفترة من 2026 إلى 2030، باعتبارها إطارًا للعمل خلال السنوات المقبلة، يستهدف الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية وتعزيز تطبيق معايير الجودة في المنشآت الطبية.
كما أعدت الوزارة أول تقرير شامل لعام 2025 ليكون خط أساس لقياس الأداء ومتابعة التطور، بما يسمح بتقييم النتائج ورصد التحديات وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تدخلات إضافية.
وفي إطار بناء القدرات البشرية ونشر ثقافة سلامة المرضى، أعلن الوزير إطلاق دبلومة مهنية متخصصة في هذا المجال بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، موضحًا أن الدفعة الأولى تضم 70 طبيبًا.
ومن المستهدف أن يمثل خريجو الدبلومة نواة لنشر مفاهيم سلامة المرضى داخل المستشفيات، والمساهمة في تطوير الممارسات المهنية وآليات رصد المخاطر والتعامل معها.
ويأتي الاستثمار في تدريب الكوادر الطبية باعتباره أحد العناصر الأساسية لإنجاح أي استراتيجية للجودة، إذ لا يكفي إصدار القوانين أو وضع المعايير ما لم يصاحب ذلك تأهيل العاملين على تطبيقها، وتوفير بيئة عمل تساعدهم على الالتزام بالإجراءات الوقائية والتعامل السليم مع المواقف الطارئة.
كما يرتبط نجاح منظومة الإبلاغ المقترحة بمدى وضوح إجراءاتها وسهولة استخدامها، وقدرة العاملين على فهم أهدافها، وضمان التعامل مع البلاغات وفق قواعد مؤسسية واضحة تحقق التعلم والتحسين المستمر.
وخلال الاحتفالية، استعرض وزير الصحة عددًا من الإنجازات التي حققتها مصر في مجال الصحة العامة، مشيرًا إلى حصولها على إشهادات من منظمة الصحة العالمية بالقضاء على الملاريا والتراكوما، إلى جانب الحفاظ على الإشهاد الذهبي لخلو البلاد من فيروس الالتهاب الكبدي «سي».
وأكد عبدالغفار أن التحدي لا يقتصر على الوصول إلى هذه الإنجازات، بل يتمثل أيضًا في ضمان استدامتها، من خلال استمرار الفحص الدوري للفئات المستهدفة، ومن بينها المقبلون على الزواج وطلاب المدارس والجامعات والمتقدمون للوظائف، وفق البرامج والإجراءات المعمول بها.
وتعكس هذه التصريحات أهمية الانتقال من مرحلة تحقيق النتائج الصحية إلى مرحلة المحافظة عليها، من خلال المتابعة المستمرة والكشف المبكر وتطوير برامج الوقاية، بما يقلل احتمالات عودة الأمراض أو تراجع مؤشرات الصحة العامة.
وتتكامل هذه الجهود مع ملف سلامة المرضى، إذ تعتمد جودة الرعاية الصحية على منظومة متكاملة تجمع بين الوقاية والتشخيص والعلاج والمتابعة، إلى جانب ضمان تقديم الخدمة في بيئة تقل فيها المخاطر التي يمكن تجنبها.
من جانبه، أكد الدكتور أحمد طه، رئيس الهيئة العامة للاعتماد والرقابة الصحية «جهار»، أن نقطة الانطلاق نحو التغيير الحقيقي بدأت بتنفيذ توجيهات القيادة السياسية لتوفير رعاية صحية متكاملة وعالية الجودة.
وأوضح أن جودة الرعاية لا ينبغي أن تُقاس فقط بعدد الأسرة أو المستشفيات أو الإمكانات المتاحة، بل بقدرة المنظومة على منع الضرر وحماية المرضى وتحقيق أفضل النتائج الصحية بصورة يومية.
واستعرض رئيس الهيئة عددًا من المؤشرات المتعلقة بعملها، موضحًا أن عدد المنشآت الصحية المعتمدة بلغ 964 منشأة في 27 محافظة، فيما سجلت الهيئة أكثر من 122 ألف عضو من المهن الطبية.
وأضاف أن الهيئة راجعت 616 مشروعًا معماريًا آمنًا، ودربت نحو 37 ألف متدرب، إلى جانب تنفيذ آلاف برامج الدعم الفني والزيارات الرقابية التي تستهدف مساعدة المنشآت الصحية على تطبيق معايير الجودة وتحسين مستوى الأداء.
وأشار إلى حصول معايير الهيئة وبرامج تدريب المراجعين على الاعتماد الدولي من الجمعية الدولية لجودة الرعاية الصحية «ISQua»، وهو ما يدعم جهود تطوير منظومة الاعتماد والرقابة، وتعزيز الالتزام بمعايير الجودة داخل المؤسسات الصحية.
وتوضح هذه المؤشرات حجم العمل المرتبط بتطوير البنية المؤسسية للجودة، بدءًا من اعتماد المنشآت وتدريب العاملين، وصولًا إلى المراجعة الفنية والرقابة المستمرة، وهي عناصر تتكامل مع جهود الإبلاغ عن الأخطاء وتحليل أسبابها والحد من تكرارها.
من جانبه، أكد الدكتور محمد عوض تاج الدين، مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية، أن سلامة المرضى تمثل هدفًا استراتيجيًا ورسالة إنسانية راسخة، مشددًا على أن تقييم الرعاية الصحية لم يعد قائمًا على عدد المستشفيات والأسرة فقط، وإنما على قدرة المنظومة على تحقيق أفضل النتائج في بيئة آمنة.
وأشار إلى أن سلامة المريض لا يمكن فصلها عن سلامة الفرق الطبية، مستشهدًا بما قدمه الأطباء وأفراد التمريض من تضحيات خلال الأوبئة، وفي مقدمتها جائحة كورونا.
ويضع هذا الطرح العامل البشري في قلب معادلة الجودة، إذ إن توفير بيئة عمل مناسبة للفرق الطبية، والتدريب المستمر، وتطبيق الإجراءات الوقائية، عوامل مؤثرة في قدرة العاملين على تقديم خدمة آمنة وفعالة.
كما أن بناء ثقافة مؤسسية تشجع على الإبلاغ عن المخاطر والتعامل معها بصورة مهنية يتطلب وضوح المسؤوليات، وتوفير آليات للتقييم والتحسين، مع مراعاة الضغوط التي تواجه العاملين داخل المنشآت الصحية.
يفتح التوجه نحو تعميم منظومة وطنية آمنة للإبلاغ عن الأحداث العارضة والأخطاء الطبية الباب أمام مرحلة جديدة من تطوير جودة الرعاية الصحية، تقوم على جمع المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى إجراءات عملية تمنع تكرار الوقائع التي يمكن تفاديها.
اقرأ أيضاً.. تخفيض الـ30% على العدادات الكودية يثير الجدل.. من المستفيدون ومن خارج حسابات القرار؟