رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

عمرو عامر يكتب: مصر والسعودية.. الصديق وقت الضيق

تفصيلة

ليست العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية مجرد علاقات دبلوماسية تحكمها المصالح العابرة، ولا اتفاقات اقتصادية تتبدل بتبدل الظروف، وإنما هي علاقة تاريخية تشكلت عبر عقود من التضامن والمواقف الصعبة والمصير العربي المشترك، ولذلك، حين تواجه المملكة العربية السعودية أخطارًا أو تهديدات تمس أمنها وسيادتها، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه مصر على نفسها ليس: لماذا نساند السعودية؟ بل: كيف نترجم تاريخًا طويلًا من الأخوة والتضامن إلى موقف عملي يليق بحجم العلاقة بين البلدين؟.

إن مساندة مصر للسعودية في الدفاع عن نفسها ليست منّةً تقدمها القاهرة للرياض، وليست تنازلًا عن استقلال القرار المصري، بل هي موقف تفرضه اعتبارات الوفاء والمصلحة الاستراتيجية والأمن القومي العربي هذه المساندة تمرق في سياق يحمي أمن البلدين، ويحفظ سيادتهما، ويحول دون اتساع دائرة الصراع في المنطقة.

حين وقفت السعودية إلى جانب مصر.. لا ينبغي أن ننسى

في تاريخ العلاقات المصرية السعودية صفحات لا يصح أن تطويها الذاكرة، ولا أن تختزلها الحسابات السياسية الضيقة، فقد وقفت المملكة إلى جانب مصر في محطات مفصلية وفي بعضها كانت على حافة السقوط الحتمي في دوامة فوضى، وقدمت أشكالًا متعددة من الدعم السياسي والاقتصادي، انطلاقًا من إدراك أن استقرار مصر وقوتها عنصران أساسيان في استقرار المنطقة العربية.

ولعل من أشهر العبارات المنسوبة إلى الملك فيصل بن عبد العزيز، والتي تختصر معنى هذه العلاقة: «مصر تأمر ولا تطلب»، إنها عبارة تختزل، بصرف النظر عن اختلاف الروايات حول سياقها الحرفي، فلسفة التضامن بين دولتين تدركان أن العلاقة بينهما أكبر من المساومة، وأن مكانة مصر وثقلها العربي كانا حاضرين بقوة في الرؤية السعودية.

ولم يكن هذا المعنى مجرد كلمات تُقال في المناسبات، بل تجسد في مواقف سياسية ومساندة اقتصادية، وفي إدراك متبادل بأن ما يصيب إحدى الدولتين من ضعف أو اضطراب لا يبقى أثره محصورًا داخل حدودها.

2013.. حين احتاجت مصر إلى من يقف بجانبها

عقب أحداث عام 2013، واجهت مصر أزمة سياسية واقتصادية حادة، وسط ضغوط داخلية وخارجية وتحديات كبيرة تتعلق باستقرار الدولة وقدرتها على الوفاء باحتياجات مواطنيها، وفي تلك المرحلة، أعلنت المملكة العربية السعودية موقفًا داعمًا لمصر، سياسيًا واقتصاديًا، في ظل قيادة الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز.

وقد ارتبط بتلك المرحلة موقف شهير نُقل عن الملك عبد الله، مؤداه أن المملكة تضع إمكاناتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية في خدمة مصر، وكان المعنى السياسي واضحًا: أن السعودية ترى في استقرار الدولة المصرية مصلحة عربية مشتركة، وأنها لا تريد لمصر أن تواجه أزمتها منفردة.

أيضا نستحضر تصريحات للرئيس عبد الفتاح السيسي، في حديثه عن الدعم العربي الذي تلقته مصر في أعقاب عام 2013، حجم المساندة السعودية، ولا سيما في مجال الطاقة والاحتياجات الأساسية، وكيف أن سفنًا كانت تصل محملة بمنتجات بترولية وغاز البوتاجاز والقمح، ضمن حزم الدعم المقدمة لمصر، وأن جانبًا من هذا الدعم كان يُقدَّم دون مقابل مباشر في ظروف الأزمة... لقد كان الدعم السعودي لمصر في تلك المرحلة رافدًا مهمًا من روافد المساندة العربية، في وقت كانت فيه الدولة المصرية تواجه ضغوطًا استثنائية.

لقد وقفت السعودية إلى جانب مصر في أوقات صعبة، وقدمت لها دعمًا سياسيًا واقتصاديًا مهمًا، من بينها حزمة المساعدات التي أُعلنت في يوليو 2013، وبلغت خمسة مليارات دولار، شملت منحة نقدية ومنتجات بترولية وغازًا ووديعة لدى البنك المركزي، كما تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسي في مناسبات لاحقة عن أهمية الدعم الخليجي، ومنه الدعم السعودي، في تجاوز أزمة الطاقة والضغوط الاقتصادية التي واجهتها مصر، وهذه وقائع موثقة لا تحتاج إلى مبالغة حتى ندرك قيمتها، والتاريخ يوثق ولا يجامل.

وهنا تحديدًا تكتسب عبارة «الصديق وقت الضيق» معناها الحقيقي، فالصديق ليس من يقف بجوارك حين تكون قويًا ومكتفيًا، بل من يدرك قيمة استقرارك حين تتعثر، ويساندك حين تضيق الخيارات، ولا يحوّل حاجتك إلى وسيلة للضغط عليك.

ومن حق المصريين أن يتذكروا تلك المواقف باعتزاز، لا من باب استدعاء الجميل أو تحويل العلاقات بين الدول إلى دفتر ديون سياسية، بل لأن الوفاء جزء من أخلاق الدول الراسخة، ولأن الذاكرة الاستراتيجية ينبغي أن تكون أطول من ذاكرة المصالح الآنية.

لماذا الآن؟ لأن أمن المنطقة لم يعد يحتمل الانتظار

تكتسب مساندة مصر للسعودية أهمية خاصة عندما تتعرض المملكة لتهديدات تمس أراضيها أو منشآتها الحيوية أو أمن مواطنيها ومصالحها الاستراتيجية، فالسعودية ليست دولة هامشية في معادلة المنطقة؛ إنها دولة محورية في الخليج والعالم العربي، ولها وزن اقتصادي واستراتيجي كبير، كما أن استقرارها يرتبط بأمن الطاقة والتجارة والملاحة وبالتوازنات الإقليمية الأوسع.

لذا فإن أي تهديد جدي لأمن المملكة لا ينبغي النظر إليه باعتباره شأنًا سعوديًا منفصلًا عن بقية المنطقة، فالاضطراب في الخليج يمكن أن تتجاوز آثاره الحدود، وأن ينعكس على الاقتصاد المصري والعربي، وعلى حركة التجارة وإمدادات الطاقة والاستقرار الإقليمي.

وفي المقابل، فإن مصر ليست مجرد دولة تراقب المشهد من بعيد؛ فهي دولة عربية كبرى، تمتلك ثقلًا سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، وتتحمل مسؤولية تاريخية في دعم استقرار النظام الإقليمي العربي، ومنع القوى الإقليمية من فرض معادلاتها بالقوة أو استغلال الأزمات لتوسيع نفوذها.

لكن أهمية التوقيت الراهن لا تعني الدعوة إلى التصعيد أو الانخراط غير المحسوب في الحروب، بل تعني أن تتحرك القاهرة مبكرًا، قبل أن تتفاقم الأخطار، وأن توظف أدواتها السياسية والدبلوماسية والدفاعية لحماية الأمن السعودي، وردع الاعتداءات، ودعم حق المملكة المشروع في الدفاع عن نفسها، وفق القانون الدولي والتفاهمات الثنائية، وبما يتناسب مع طبيعة التهديد.

فالتحرك في الوقت المناسب قد يمنع حربًا، أما التردد أمام الاعتداءات فقد يشجع على تكرارها، والفرق كبير بين مساندة حق دولة في الدفاع عن سيادتها، وبين الانجرار إلى مواجهة مفتوحة لا تخدم مصالح الشعوب العربية.

لا يمكن فصل أمن مصر عن أمن السعودية، ولا أمن الخليج عن استقرار النظام العربي بأكمله، فالدولتان تواجهان، بدرجات وأشكال مختلفة، تحديات إقليمية تتعلق بالصراعات المسلحة، والتهديدات العابرة للحدود، والتدخلات الخارجية، وأمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، ومحاولات فرض النفوذ بالقوة.

إن استحضار هذه المواقف ليس دعوة إلى أن تتصرف مصر بدافع رد الجميل وحده؛ فالدول لا تُدار بالعواطف المجردة، ولا تُبنى استراتيجياتها على الامتنان وحده، لكنه تذكير بأن الوفاء والمصلحة الوطنية ليسا نقيضين، وأن العلاقة التي تقوم على الثقة والتضامن تصبح أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

فمصر حين تساند السعودية، لا تدافع عن تاريخ مشترك فحسب، بل تدافع أيضًا عن بيئة إقليمية أكثر استقرارًا، وعن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، وعن مبدأ رفض الاعتداء على الدول وسيادتها، والسعودية حين تساند مصر، تدرك أن قوة الدولة المصرية واستقرارها يمثلان رصيدًا استراتيجيًا للعرب جميعًا.

خلاصة القول.. مصر والسعودية ليستا مجرد دولتين تجمعهما الجغرافيا والمصالح؛ إنهما ركيزتان أساسيتان في معادلة الأمن العربي. وحين تكون الأخطار مشتركة، ينبغي أن تكون الحكمة مشتركة، والتنسيق مشتركًا، والاستعداد للمساندة واضحًا. فالتاريخ الذي جمع البلدين يستحق مستقبلًا يحميه، والمرحلة الراهنة تستحق مواقف بحجم مسؤوليتها.

تم نسخ الرابط