رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

نصر نعيم يكتب: مصر وحزام النار

تفصيلة

حين تشتعل الخرائط من السودان إلى ليبيا، ومن غزة ولبنان إلى البحر الأحمر والقرن الإفريقي، يصبح السؤال أكبر من حدود تُحمى أو أزمة تُحتوى: هل تواجه مصر تراكُمًا عشوائيًا للأزمات، أم تقف أمام اختبار استراتيجي تتقاطع فيه مصالح القوى الإقليمية والدولية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟.

ليست كل الحرائق مؤامرة، وليست كل المصادفات بريئة من السياسة، وبين هاتين الحقيقتين تقف مصر أمام مشهد بالغ الخطورة، تتكاثر فيه بؤر الصراع على امتداد محيطها الحيوي، وتتداخل فيه الحسابات العسكرية مع صراعات النفوذ والممرات البحرية والطاقة والمياه، بينما يدفع المواطن العربي من أمنه ولقمة عيشه وثروات بلاده ثمنًا باهظًا.

دون تهوين أو تهويل إن أخطر ما في المشهد ليس وجود أزمة هنا أو حرب هناك، وإنما تزامن الأزمات واتصال آثارها ببعضها، بما يضع الدولة المصرية أمام اختبار قاس متعدد الجبهات بين حدود غربية تتطلب يقظة دائمة، وجنوب تتآكل استقراراته تحت وطأة الحرب السودانية، وشرق ينزف من غزة ولبنان، وبحر أحمر تتعرض ممراته ومصالحه التجارية لمخاطر متصاعدة، وملف مياه وجودي مع إثيوبيا يتشابك مع التنافس على النفوذ في القرن الإفريقي.

إنها صورة حزام من الضغوط، لا يجوز التعامل معها باعتبارها ملفات منفصلة؛ لأن ما تعجز أزمة واحدة عن تحقيقه قد تنتجه آثار أزمات متزامنة، حتى لو لم تكن جميعها صادرة عن غرفة عمليات واحدة.

بداية السطر من السودان وهو ليس مجرد دولة مجاورة لمصر، ولا الحرب الدائرة على أرضه نزاعًا داخليًا بعيدًا عن القاهرة، بل السودان عمق جغرافي وبشري وأمني، واستقراره يرتبط بأمن الحدود الجنوبية، وبحركة السكان والتجارة، وبمستقبل البحر الأحمر، وبالتوازنات السياسية في وادي النيل.

وحين تنزلق دولة بهذا الحجم إلى حرب مفتوحة، وتتآكل مؤسساتها، وتتعدد مراكز السلاح والقرار، فإن الخطر يتجاوز سقوط المدن وتبدل خطوط السيطرة، يصبح الخطر في احتمال تحول الجغرافيا إلى مساحات نفوذ متنازعة، وفي تمدد اقتصاد الحرب وشبكات التهريب، وفي إطالة أمد الانهيار بما يفتح الباب أمام تدخلات خارجية متنافسة.

هنا يجب أن تُقرأ المأساة السودانية من زاويتين متلازمتين (مأساة شعب يستنزف ويهجر ويفقد مقومات الحياة، ومخاطر استراتيجية تحيط بمصر كلما طال أمد الحرب واتسعت رقعتها).

مصلحة الأمن المصري لا تقتضي تحويل السودان إلى ساحة صراع بالوكالة، ولا اختزال مستقبله في موازين القوة العسكرية، المطلوب دولة سودانية موحدة، ومؤسسات قادرة على استعادة وظائفها، وتسوية سياسية تمنع تفكيك البلاد إلى مناطق نفوذ دائمة، فالسودان المنهك ليس مكسبًا استراتيجيًا لمصر؛ بل عبء مفتوح على أمنها واقتصادها واستقرار محيطها، وكلما ابتعدت التسوية، اقتربت تداعيات الحرب من الحدود المصرية.

في الغرب، لا تزال هشاشة المشهد الليبي تذكيرًا دائمًا بأن انهيار الدولة لا ينتهي عند حدودها، الخطر لا يكمن فقط في احتمال تسلل السلاح أو العناصر المسلحة، وإنما أيضًا في استمرار غياب الدولة القادرة على ضبط أراضيها، وفي تحول ليبيا إلى مساحة مفتوحة لتنافس القوى الباحثة عن النفوذ والثروة والموقع الاستراتيجي.

عصارة القول.. حدود مصر الغربية ليست جدارًا يفصلها عن الأزمة الليبية؛ إنها خط تماس مع نتائجها، وكلما استقرت ليبيا على أساس دولة موحدة، تراجع الخطر على مصر، والعكس صحيح وخطير.

في الشرق، غزة ليست ملفًا إنسانيًا أو دبلوماسيًا فحسب، إنها قضية تمس أمن الحدود، ورفض التهجير القسري للفلسطينيين، ومستقبل القضية الفلسطينية، وطبيعة الترتيبات الأمنية والسياسية التي قد تُفرض على المنطقة في أعقاب الحروب.

أما لبنان، فإن اتساع دائرة المواجهة فيه يهدد بتحويل الجبهة الشمالية لإسرائيل إلى حرب أوسع، ويزيد احتمالات امتداد التصعيد إلى ساحات أخرى، وعندما تتزامن حلقات النار في غزة مع التوتر في لبنان، يصبح الشرق الأوسط أكثر عرضة لانفجار تتجاوز نتائجه الأطراف المباشرة.

في المقابل لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي على خريطة التجارة العالمية، بل أصبح جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي، تتداخل فيه حركة السفن، وأمن باب المندب، والتنافس على المواقع البحرية، ومخاطر الهجمات التي تهدد الملاحة.

وتدرك مصر أن اضطراب هذا الممر لا يتوقف عند حدود البحر؛ فانعكاساته تمتد إلى قناة السويس، وحركة التجارة، وتكاليف النقل والتأمين، والإيرادات المرتبطة بالملاحة، فضلًا عن المكانة الاستراتيجية التي يمنحها الموقع المصري للدولة.

القاهرة تخشى أن تتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط سياسي، وأن تصبح سلامة التجارة رهينة لصراعات لا تملك الدول المتضررة وحدها قرار إشعالها أو إطفائها فمصر لا تستطيع عزل قناة السويس عن محيطها، ولا تستطيع حماية مصالحها البحرية بمعزل عن استقرار البحر الأحمر والقرن الإفريقي.

أما الجبهة الجنوبية الشرقية، فتحمل واحدة من أعقد معادلات الأمن القومي المصري (العلاقة مع إثيوبيا، وملف سد النهضة، والتنافس المتصاعد على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر)، وتزداد حساسية الملف حين يتقاطع مع خطاب إثيوبي يؤكد ضرورة الوصول إلى البحر الأحمر، ومع توترات دبلوماسية وأمنية أوسع في المنطقة.

هنا ينبغي أن تكون القراءة المصرية أكثر عمقًا من الاكتفاء بتعداد الأزمات.. من المستفيد من إضعاف الدولة الوطنية العربية؟ من المستفيد من تفكيك السودان؟، من يستفيد من استمرار الانقسام الليبي؟ من يدفع باتجاه ترتيبات في غزة تنتقص من حقوق الفلسطينيين؟ ومن يريد أن تكون السيطرة على الممرات البحرية ومصادر المياه جزءًا من معادلة النفوذ الإقليمي؟.

والأهم أن مصر ليست مجرد متلقٍ سلبي لهذه التطورات، فهي دولة تمتلك مراكز قوى وتوازن لا يمكن إغفالها عند استعراض المخاطر المحيطة، فأهمية مصر تأتي من اجتماع عناصر لا تتوافر بالتركيب نفسه لدى كثير من دول المنطقة الموقع الذي يصل إفريقيا بآسيا، والإشراف على قناة السويس، والامتداد العربي والإفريقي، والثقل السكاني والعسكري، والارتباط العضوي بقضية فلسطين، والدور التاريخي في التفاعلات الإقليمية.

إن أخطر ما يواجه مصر ليس مجرد كثرة الحرائق المحيطة بها، بل احتمال أن تتحول هذه الحرائق إلى استنزاف طويل الأمد لقدرتها على الحركة واتخاذ القرار، ومن السودان إلى ليبيا، ومن غزة ولبنان إلى البحر الأحمر، وصولًا إلى التوتر مع إثيوبيا، تتجمع ملفات تمس أمن الدولة ومصالحها ومكانتها.

تم نسخ الرابط