كيف تراهن مصر على إعادة إحياء الحقول النفطية المتقادمة؟
مصر.. يمثل توجه وزارة البترول والثروة المعدنية نحو إعادة إحياء الحقول النفطية المتقادمة تحولاً عملياً في إدارة أصول الطاقة الوطنية؛ إذ لم تعد الاستراتيجية تقتصر على المسار التقليدي لانتظار نتائج الاستكشافات الجديدة في المناطق البكر التي تتطلب ما بين 3 إلى 7 سنوات وملايين الدولارات من الإنفاق الرأسمالي قبل أن تضخ أول قطرة خام، بل تستهدف ضخ دماء جديدة في شرايين الآبار القائمة لرفع الإنتاج المحلي بنحو 30% خلال العامين الماليين الحالي والمقبل.
وتستند هذه الخطة إلى حشد استثمارات تقارب 4 مليارات دولار بتمويل ذاتي من شركات النفط العالمية والشركاء الأجانب العاملين في مصر، بهدف استخراج كميات نفطية مؤكدة لا تزال محتجزة في باطن الأرض حالت تقنيات الاستخراج القديمة أو ارتفاع تكاليف التشغيل دون استغلالها اقتصادياً في الفترات الماضية.
لماذا تُعد الآبار القديمة الحل الأسرع لتقليص فاتورة الاستيراد؟
تحقق استراتيجية التركيز على الحقول الناضجة ثلاثة مكاسب تشغيلية واقتصادية حاسمة:
جاهزية البنية التحتية واختصار الزمن: تمتلك الحقول المتقادمة بالفعل محطات معالجة الخام، وخطوط أنابيب النقل، ومستودعات التخزين، وموانئ الشحن؛ ما يعني أن أي كميات تُستخرج عبر تقنيات الحفر الأفقي أو إعادة الإكمال تدخل شبكة الإنتاج فوراً دون الحاجة لمد شبكات جديدة.
انخفاض كلفة البرميل الرأسمالية: يقلص الاعتماد على المنشآت القائمة تكاليف الاستثمار الرأسمالي مقارنة ببدء مشروعات بحرية أو صحراوية جديدة من الصفر، مما يجعل البرميل المستعاد مجدياً وسريع المردود المالي.
الضغط المباشر على فاتورة الاستيراد الدولارية: يساهم رفع الإنتاج المحلي بنسبة 30% في تغطية جانب كبير من احتياجات معامل التكرير الوطنية، مما يخفف الضغط على موارد النقد الأجنبي المخصصة لاستيراد شحنات النفط الخام والمشتقات من الأسواق الدولية.
خريطة الثقل الجغرافي.. الصحراء الغربية في المقدمة
تتوزع خريطة برنامج إعادة الإحياء على الحواضن التاريخية للإنتاج في مصر:
الصحراء الغربية (مركز الثقل): تستحوذ على النصيب الأكبر من البرنامج؛ لكونها تنتج وحدها أكثر من 60% من إجمالي النفط الخام المصري وتضم مئات الحقول المتنوعة ذات الطبقات المتعددة الحاملة للهيدروكربونات.
خليج السويس والصحراء الشرقية: تمثل أقدم مناطق الإنتاج التعديني والنفطي في مصر، وتحتوي خزاناتها على كميات ضخمة تحتاج إلى تقنيات ضخ المياه والغاز واستخدام المضخات الغاطسة الكهربائية (ESP) لاستعادة معدلات التدفق الطبيعية.
نموذج الشراكة مع «أديس السعودية»: يبرز مشروع شركة «أديس» في حقلي سوكو وأوسوكو بخليج السويس كنموذج تطبيقي رائد؛ إذ يستهدف استثمار 66 مليون دولار لمضاعفة الإنتاج ورفعه من نحو 7 آلاف برميل يومياً إلى 11 ألف برميل يومياً بحلول نهاية عام 2027 عبر تفعيل تقنيات متقدمة لإدارة الخزانات وصيانة الآبار المتوقفة.
محددات الفرز الفني وضوابط الجدوى الاقتصادية
لا تعتمد خطة الوزارة على إعادة تشغيل عشوائية لكافة الآبار المهجورة، بل تخضع لتقييم فني وهندسي دقيق:
مراجعة ديناميكا الخزانات وضغط الطبقات: دراسة المسامية والنفاذية ومعدلات نضوب الضغط الطبيعي لتحديد الآبار التي تحتفظ باحتياطيات متبقية وافرة يمكن تحريكها اقتصادياً.
معادلة تكلفة استخراج البرميل: المفاضلة بين العائد المالي للبرميل المستخرج وتكلفة تقنيات الاستخلاص المعزز للنفط (EOR)، لضمان بقاء تكلفة الإنتاج أدنى بكثير من السعر العالمي المتداول.
التشريعات والحوافز الاستثمارية: تطبيق نماذج عقود مرنة تشجع الشركاء الأجانب على ضخ السيولة الدولارية في أنشطة الصيانة والحفر التنموي مقابل الحصول على حصص تسعيرية مجزية تضمن سرعة استرداد النفقات.



