تسليح الطاقة وفخ عدم اليقين.. كيف تؤثر صراعات الوقود على الاقتصاد العالمي؟
الطاقة .. يمر الاقتصاد الدولي بمرحلة غير مسبوقة من الهشاشة الهيكلية نتيجة تراكم الأزمات المتتالية؛ حيث لم تكد الأسواق تتعافى كلياً من التبعات الانكماشية والمالية لجائحة كورونا التي اندلعت عام 2019، حتى اصطدمت بموجات عاتية من التحولات الجيوسياسية والصراعات الدولية والإقليمية التي عطلت مسارات النمو واستنزفت الاحتياطيات النقدية والسلعية.
وأكد الدكتور محمود عنبر، الخبير الاقتصادي، خلال تصريحات تليفزيونية، أن مكمن الخطر في الأزمة الحالية يتجاوز تذبذبات الأسواق الدورية ليرتبط مباشرة بظاهرة «تسليح الطاقة» واستخدام النفط والغاز كأدوات للضغط والمناورة وفرض التسويات السياسية والعقوبات الاقتصادية المتبادلة، محذراً من أن هذا النهج يضرب عصب الإنتاج العالمي، مهدداً بنقل أزمة الوقود مباشرة إلى موائد المستهلكين وخطوط النقل الجوي وسلاسل الإمداد الحيوية.
شريان الطاقة المتشابك: من خطوط الغاز إلى فاتورة الغذاء وتذاكر الطيران
أبرز الخبير الاقتصادي أن صدمات الطاقة لا تنحصر داخل حدود قطاع الوقود وحده، بل تمتد كعدوى سريعة إلى القطاعات الإنتاجية والخدمية المرتبطة به:
حلقة الأسمدة والإنتاج الزراعي: يُعد الغاز الطبيعي ومشتقات الطاقة المدخل الأساسي في صناعة الأسمدة النيتروجينية؛ ويؤدي قفز أسعارها أو انقطاع إمداداتها إلى اشتعال فوري في تكاليف مستلزمات الزراعة، وهو ما ينعكس لاحقاً في تراجع خصوبة الأراضي أو فرض زيادات حادة في أسعار المحاصيل والحبوب، مشعلاً أزمة أمن غذائي حادة تعصف بالدول النامية والمستوردة.
ضغوط قطاع الطيران المدني وصناعة السياحة: يستحوذ وقود الطائرات على النسبة الكبرى من التكاليف التشغيلية لشركات النقل الجوي، مما يجبرها على تمرير هذه الزيادات إلى أسعار تذاكر السفر والشحن الجوي، ليعطل ذلك حركة تدفقات السياحة الدولية ويضيف أعباء تضخمية جديدة على التجارة البينية.
فخ عدم اليقين: هروب رؤوس الأموال من الإنتاج إلى الملاذات الآمنة
حذر الدكتور عنبر من أن تآكل الثقة يمثل الخطر الأكبر على مستقبل النمو التشغيلي الحقيقي:
شلل التخطيط الاستثماري: تخلق التوترات الجيوسياسية بيئة عالية من "عدم اليقين" (Uncertainty) تدفع الشركات وصناديق التمويل إلى تجميد مشروعاتها التوسعية والإحجام عن إطلاق استثمارات جديدة في البنية الصناعية أو الزراعية.
البحث عن الأوعية الملاذية: تفضل رؤوس الأموال السائلة والمدخرات الهروب من أدوات الاستثمار المباشر المنتجة لفرص العمل نحو الملاذات التحوطية التقليدية، مثل الدولار الأمريكي، والذهب، والمعادن النفيسة، ما يحرم القطاعات الحقيقية من السيولة التمويلية اللازمة للحفاظ على دورات التشغيل.
محددات تفادي أزمات الجوع والركود التضخمي
تتقاطع التحليلات مع التحذيرات الصادرة عن المنظمات التمويلية الدولية (مثل صندوق النقد والبنك الدولي) في التأكيد على ضرورة تبني إجراءات استباقية عاجلة:
فصل أمن الطاقة عن المناكفات السياسية: ضرورة إيجاد آليات دولية ملزمة تحمي ممرات الملاحة وسلاسل إمداد الطاقة والغذاء من الاستخدام كسلاح في الخلافات الدبلوماسية والعسكرية لضمان استقرار الأسواق العالمية.
دعم الزراعة التعاقدية وسلاسل التوريد المحلية: يتعين على الدول النامية والمستوردة لمدخلات الإنتاج تسريع برامج الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية، وبناء مخزونات آمنة من الأسمدة والحبوب لامتصاص الصدمات السعرية الخارجية، وتخفيف الضغط على العملات المحلية.

