هل يعود برميل النفط لـ60 دولارًا؟ خبير اقتصادي يكشف مستهدفات الأعوام الثلاثة القادمة
تشهد أسواق الطاقة الدولية حالة بالغة التعقيد من التجاذب السعري نتيجة تداخل عوامل جيوسياسية متناقضة تؤثر في توازنات العرض والطلب؛ حيث تقف البورصات العالمية بين ضغوط صعودية متجددة تغذيها المخاطر الأمنية في الممرات المائية الحيوية، مقابل انفراجات إمدادية تسعى واشنطن لاقتناصها لتهدئة أسعار الوقود محلياً.
وأوضح الدكتور محمد أنيس، الخبير الاقتصادي، في تصريحات تلفزيونية، أن الأسواق تتلقى إشارات شديدة التضارب في التوقيت الراهن؛ ففي حين يسهم الاتفاق الأمريكي الروسي بشأن تدفقات السولار في كبح جماح الصعود، جاء حادث استهداف ناقلة نفط سعودية واشتعالها في مضيق هرمز ليعيد إشعال المخاوف بشأن أمن تدفقات الخام، مما يحرم الأسعار من فرصة الهبوط السريع إلى ما دون حاجز الـ 100 دولار للبرميل.
معادلة التجاذب.. ناقلة هرمز في مواجهة السولار الروسي
تجدد علاوة المخاطر في مضيق هرمز: جاء الهجوم الأخير على ناقلة النفط في المضيق واشتعال النيران بها ليوجه ضربة لمعنويات المتعاملين، خاصة بعد أن بدأت الإمدادات في التعافي التدريجي خلال الأسابيع الماضية لتصل إلى نحو 90% من مستويات ما قبل الحرب تحت مظلة التأمين العسكري الأمريكي، مما يعيد الشكوك حول استدامة خروج الشحنات بأمان.
الحسابات الانتخابية الأمريكية: يهدف التحرك الأمريكي لتسهيل عودة تدفقات السولار الروسي إلى خفض أسعار الوقود في محطات التوزيع بالولايات المتحدة قبيل انطلاق انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة بعد ثلاثة أسابيع تقريباً، حيث تتصدر كلفة المعيشة أولويات الناخب الأمريكي.
تعطيل مسار التراجع: لولا تجدد المواجهات واستهداف الناقلات، لكانت الأسواق مهيأة لكسر حاجز الـ 100 دولار نزولاً خلال تداولات الأسبوع الجاري، إلا أن المخاطر المشتعلة حدت من سرعة هذا الأثر الإيجابي وأبقت الخام فوق 103 دولارات.
وداعاً لزمن النفط الرخيص.. لماذا استبعد الخبراء مستوى الـ 60 دولارًا؟
أكد الخبير الاقتصادي أن فكرة عودة أسعار برميل النفط إلى مستويات الـ 60 دولاراً أو أقل أصبحت غير واقعية تماماً في ظل المعطيات الهيكلية للسوق الدولية:
استنزاف الاحتياطيات الاستراتيجية: أدى السحب المكثف من الاحتياطيات التجارية والاستراتيجية العالمية خلال الأشهر الثمانية الماضية لمواجهة الأزمة إلى خلق عجز تراكمي يتطلب إعادة ملء، وهو ما سيولد طلباً إضافياً مؤكداً يتراوح بين مليون إلى مليوني برميل يومياً على الأقل خلال المرحلة القادمة.
دعم مستمر للأسعار: يضمن هذا الطلب التعويضي بقاء أسعار النفط في نطاقات قوية تتراوح بين 85 و90 دولاراً للبرميل حتى بعد زوال التوترات العسكرية الحالية، مع استبعاد بقائها طويلاً فوق مستويات 120 دولاراً.
متوسطات المدى المتوسط (2026 - 2028): تشير التقديرات إلى أن متوسط سعر البرميل للسنوات الثلاث المقبلة سيدور حول مستوى 80 دولاراً للبرميل، وهو الرقم المرجعي الأنسب الذي يتعين على الاقتصادات المستوردة للطاقة ومخططي الموازنات العامة البناء عليه.
النفط في قلب الاستراتيجية الأمريكية.. احتواء الصين وتسوية روسيا
اعتبر الدكتور أنيس أن مستويات الأسعار المرتفعة لم تكن مجرد أثر جانبي طارئ، بل تلتقي مع أهداف جيوسياسية واستراتيجية محددة:
الضغط على تنافسية الاقتصاد الصيني: تمثل الصين أكبر مستورد للنفط عالمياً، ويؤدي بقاء أسعار الطاقة مرتفعة إلى زيادة تكاليف التشغيل ومدخلات الإنتاج للمصانع والشركات الصينية، ما يضع قيوداً على تسارع نموها ومنافستها للهيمنة الأمريكية.
حوافز التسوية مع موسكو: تسعى واشنطن لمنع بناء حلف استراتيجي صلب بين موسكو وبكين عبر محاولة تسوية ملف الحرب الأوكرانية؛ حيث تمنح أسعار النفط المرتفعة روسيا عوائد مالية مجزية تعوضها اقتصادياً وتفتح الباب أمام تفاهمات مشتركة تضمن تحييد الموقف الروسي.
التخطيط الاستباقي: يرى التحليل أن إدارة المشهد الراهن بمساراته المتشابكة تعكس تخطيطاً مدروساً لتوظيف ملف الطاقة كأداة نفوذ دولية، مما يجعل تقلبات أسواق النفط امتداداً لصراع القوى الكبرى على خريطة الاقتصاد العالمي.


