53 عامًا على نصر أكتوبر.. كيف حطمت مصر أسطورة الجيش الذي لا يُقهر في 6 ساعات؟
تحل الذكرى الثالثة والخمسون لنصر السادس من أكتوبر عام 1973، ذلك اليوم الذي سجل واحدًا من أبرز الانتصارات في التاريخ العسكري المصري والعربي، بعدما تمكنت القوات المسلحة المصرية من عبور قناة السويس واقتحام خط بارليف، وتحويل الحسابات العسكرية والسياسية في المنطقة، في ملحمة جسدت قدرة الإرادة المصرية على تجاوز أصعب التحديات وتحقيق المستحيل.
وتبقى حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، بعدما شاركت مختلف التشكيلات والأسلحة والقيادات في صناعة نصر كبير، دفع المصريون من أجله أثمانًا غالية من دمائهم وتضحياتهم، لاستعادة جزء عزيز من أرض الوطن، وهي سيناء، التي ظلت هدفًا أساسيًا في وجدان المصريين بعد احتلالها عام 1967.
في السادس من أكتوبر عام 1973، أثبتت القوات المسلحة المصرية أن الإرادة عندما تقترن بالتخطيط الدقيق والإعداد الجيد والتدريب والتضحية، تستطيع كسر أصعب القيود وتجاوز أكثر التحديات تعقيدًا.
وجاء نصر أكتوبر ليؤكد أن التفوق العسكري لا يرتبط فقط بحجم التسليح، وإنما يعتمد كذلك على حسن التخطيط، ودقة التنفيذ، والقدرة على استغلال نقاط ضعف الخصم، وهو ما ظهر بوضوح في العمليات التي سبقت الحرب وخلال الساعات الأولى من القتال.
وقد نجح جيل أكتوبر في رفع راية الوطن على أرض سيناء، وإعادة الثقة والكبرياء إلى العسكرية المصرية، بعد سنوات من التحدي والاستعداد لخوض معركة تحرير الأرض واستعادة الكرامة الوطنية.
لم تبدأ حرب أكتوبر مع انطلاق الطائرات أو عبور الجنود لقناة السويس، وإنما سبقتها خطة دقيقة للخداع الاستراتيجي، أشرف عليها الرئيس الراحل محمد أنور السادات بصورة مباشرة، بالتنسيق مع أجهزة الدولة والقوات المسلحة.
واستهدفت خطة الخداع تضليل القيادة الإسرائيلية وإقناعها بأن مصر لا تستعد لشن حرب، وأن الوضع القائم سيستمر على حاله، في ظل حالة «اللاحرب واللاسلم» التي سادت المنطقة لسنوات.
وتضمنت الخطة مجموعة من الإجراءات التي ساهمت في إخفاء الاستعدادات الحقيقية للقوات المسلحة المصرية، من بينها تسريح نحو 30 ألف مقاتل، ورفع درجة الاستعداد في القواعد الجوية، إلى جانب تكرار عمليات التعبئة العامة والاستدعاء ثم تسريح القوات، بما أدى إلى إرباك تقديرات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.
كما تدربت القوات المصرية على عبور قناة السويس تحت أنظار قوات العدو، وأُنشئ ساتر ترابي على الضفة الغربية للقناة، في الوقت الذي جرى فيه تحريك القوات المصرية في اتجاهات مختلفة وثانوية، بما ساعد على إخفاء اتجاه التحرك الحقيقي، فضلًا عن الإجراءات التي استهدفت تضليل وسائل الرصد والاستطلاع المعادية.
كان اختيار توقيت الحرب أحد أهم عناصر الخداع الاستراتيجي الذي سبق المعركة، حيث اختار الرئيس السادات السادس من أكتوبر 1973 موعدًا لبدء العمليات العسكرية.
وجاء اختيار التوقيت لعدة اعتبارات، من بينها أن إسرائيل لم تكن تتوقع أن تبدأ مصر الحرب في شهر رمضان، إلى جانب انشغال الجانب الإسرائيلي بعيد الغفران اليهودي، وهو ما ساهم في تحقيق عنصر المفاجأة وإرباك الحسابات الإسرائيلية في الساعات الأولى من الحرب.
التوجيه الاستراتيجي لتحرير سيناء
وفي الخامس من أكتوبر عام 1973، أصدر الرئيس الراحل محمد أنور السادات «التوجيه الاستراتيجي» إلى الفريق أول أحمد إسماعيل، وزير الحربية، محددًا المهام الرئيسية للقوات المسلحة في المرحلة المقبلة.
وتضمن التوجيه قرار كسر حالة وقف إطلاق النار اعتبارًا من السادس من أكتوبر، وتكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والأسلحة والمعدات، والعمل على تحرير الأراضي المحتلة على مراحل متتالية وفقًا لنمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة.
كما تضمن التوجيه إمكانية تنفيذ هذه المهام بواسطة القوات المسلحة المصرية منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية، في إطار التنسيق العربي الذي شهدته حرب أكتوبر.
أكثر من 200 طائرة مصرية تفتح أبواب المعركة
مع بدء العمليات العسكرية، جاءت القوات الجوية المصرية في مقدمة القوات التي صنعت ملحمة العبور، حيث نفذت ضربة جوية رئيسية شاركت فيها أكثر من 200 طائرة عبرت خط القناة في توقيت واحد.
واستهدفت الضربة عددًا من المواقع العسكرية الإسرائيلية، من بينها مركز القيادة الرئيسي للعدو في منطقة «أم مرجم»، إلى جانب ضرب ثلاثة ممرات رئيسية في مطارات «المليز» و«بيرتمادا» و«رأس نصراني»، بالإضافة إلى ثلاثة ممرات فرعية في المطارات ذاتها.
كما تمكنت القوات الجوية من استهداف مواقع لبطاريات الدفاع الجوي من طراز «هوك»، إلى جانب مواقع للمدفعية ومركز للحرب الإلكترونية وعدد من المواقع الإدارية.
وجرى تنفيذ الضربة في صمت لاسلكي كامل، بهدف الحفاظ على عنصر المفاجأة ومنع عمليات التنصت المعادية من اكتشاف التحرك المصري قبل تنفيذ الهجوم.
ومن أبرز صفحات البطولة التي سجلتها القوات الجوية المصرية خلال الحرب، معركة المنصورة الجوية التي وقعت في 14 أكتوبر 1973.
ودارت المعركة فوق منطقة الدلتا، واستمرت لأكثر من 50 دقيقة، وواجه خلالها الطيارون المصريون موجات من الطائرات الإسرائيلية، في معركة جوية شهدت اشتباكات عنيفة.
ووفق ما يورده السجل الخاص بالمعركة، تمكنت القوات الجوية المصرية من إسقاط 18 طائرة للعدو، رغم ما كان يتمتع به سلاح الجو الإسرائيلي من تفوق نوعي وعددي في الطائرات.
ومع اشتداد المواجهات، اضطرت طائرات إسرائيلية أخرى إلى إلقاء حمولتها في البحر والانسحاب من منطقة الاشتباك.
وبعد دقائق من الضربة الجوية، بدأت المدفعية المصرية تنفيذ واحدة من أكبر عمليات التمهيد النيراني في تاريخ الحرب الحديثة، بمشاركة نحو 2000 مدفع على طول الجبهة.
واستهدفت نيران المدفعية مواقع وتمركزات القوات الإسرائيلية شرق القناة، كما ركزت على مراكز القيادة والسيطرة ومحطات الرادار والمواقع العسكرية، بالتزامن مع الضربة الجوية التي استهدفت مواقع العدو على امتداد خط بارليف.
وقد مثل التمهيد النيراني عنصرًا أساسيًا في خطة العبور، من خلال إرباك القوات الإسرائيلية وتدمير أو تحييد عدد من مواقعها، وتوفير الغطاء النيراني للقوات المصرية التي بدأت في تنفيذ عملية العبور.
وبالتزامن مع القصف المدفعي، بدأت القوات المصرية عبور قناة السويس، حيث تحركت القوارب المحملة بعشرات الآلاف من الضباط والجنود نحو الضفة الشرقية.
وكانت صيحات «الله أكبر» تتردد في أرجاء ساحة القتال، بينما كانت القوات المصرية تخوض واحدة من أصعب مراحل المعركة، في مواجهة التحصينات الإسرائيلية وخط بارليف.
ونجحت القوات المسلحة، قبل انتهاء اليوم الأول من القتال، في نقل خمس فرق إلى سيناء عبر الكباري التي أقيمت على القناة، بعد ملحمة هندسية وعسكرية تضمنت التعامل مع الساتر الترابي الذي أقامه الاحتلال الإسرائيلي على الضفة الشرقية.
وكان استخدام مضخات المياه من أبرز الحلول الهندسية التي ساعدت القوات المصرية على فتح الثغرات في الساتر الترابي، تمهيدًا لعبور القوات والمعدات إلى الضفة الشرقية.
لعبت قوات الدفاع الجوي المصرية دورًا حاسمًا في الأيام الأولى من الحرب، بعدما تمكنت من التصدي للطائرات الإسرائيلية وإسقاط أكثر من 25 طائرة خلال يومي السادس والسابع من أكتوبر.
وأدى نجاح الدفاع الجوي المصري إلى فرض قيود على حركة الطيران الإسرائيلي بالقرب من قناة السويس، حيث صدرت تعليمات للطيارين الإسرائيليين بعدم الاقتراب من القناة لمسافة أقل من 15 كيلومترًا.
وخلال الأيام الثلاثة الأولى من الحرب، تعرض سلاح الجو الإسرائيلي لخسائر كبيرة، شملت عددًا من طائراته وطيارين اعتبرتهم إسرائيل من أفضل عناصرها، وهو ما شكل ضربة قوية لأحد أهم مصادر التفوق العسكري الإسرائيلي.
لم يقتصر دور القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر على القوات البرية والجوية والدفاع الجوي، وإنما امتد كذلك إلى القوات البحرية التي أدت مهامًا متعددة في البحرين المتوسط والأحمر.
وشملت مهام القوات البحرية معاونة أعمال قتال الجيوش الميدانية في سيناء، سواء من خلال النيران أو تأمين جانب القوات البرية التي تقدمت بمحاذاة الساحل.
وانتشرت نحو 50 قطعة بحرية مصرية في البحرين المتوسط والأحمر، كما نفذت القوات البحرية عمليات إبرار بحري لعناصر من القوات الخاصة على الساحل الشمالي لسيناء.
كما تمكنت البحرية المصرية من إغلاق مضيق باب المندب، بما ساهم في التأثير على حركة الملاحة المرتبطة بإسرائيل، إلى جانب تنفيذ عمليات إغارة استهدفت موانئ ومراسي وأهدافًا ساحلية إسرائيلية.
شاركت قوات المظلات والصاعقة في تنفيذ عدد من المهام القتالية المهمة خلال حرب أكتوبر، حيث استهدفت قوات المظلات مواقع وأهدافًا تابعة للعدو في منطقتي مضيقي متلا والجدي، وساهمت في عرقلة تحركات القوات الإسرائيلية ومنع تقدمها عبر تلك المناطق.
كما قامت هذه القوات باحتلال المصاطب الموجودة غرب القناة، ومعاونة وحدات وتشكيلات القوات المسلحة في الاستيلاء على عدد من النقاط القوية وتأمين رؤوس الكباري، والتصدي لمحاولات الهجوم المضاد من جانب القوات الإسرائيلية.
ونفذت قوات المظلات كذلك مهامًا قتالية لصالح التشكيلات والوحدات الموجودة شرق القناة، بهدف تأمين الموجات الأولى للقوات المصرية التي عبرت إلى سيناء.
وسجلت قوات الصاعقة المصرية بدورها عددًا من البطولات خلال الساعات الأولى من الحرب، ومن أبرزها ما قامت به المجموعة 129 صاعقة، التي نجحت في تدمير 28 دبابة و12 عربة مجنزرة.
كما تمكنت المجموعة 127 صاعقة من محاصرة النقطة الحصينة في لسان بورتوفيق، حتى استسلم الجنود الموجودون بها.
وفي 13 أكتوبر، أسفرت العمليات عن أسر 37 فردًا من قوات العدو، إلى جانب الاستيلاء على ثلاث دبابات سليمة وجميع الأسلحة الموجودة داخل النقطة القوية.
وتعكس هذه العمليات طبيعة المهام التي نفذتها قوات الصاعقة خلال الحرب، والتي اعتمدت على السرعة والمباغتة والعمل خلف خطوط العدو واستهداف النقاط المهمة والتحصينات والمعدات.
لم يكن نصر أكتوبر نتيجة معركة واحدة، وإنما جاء ثمرة سلسلة طويلة من المعارك والعمليات التي خاضتها مختلف أفرع وتشكيلات القوات المسلحة على امتداد جبهات القتال.
ومن أبرز المعارك التي ارتبطت بحرب أكتوبر: معركة تبة الشجرة، ومعركة عيون موسى، ومعركة القنطرة شرق، ومعركة الفردان، ومعركة المنصورة الجوية، ومعركة المزرعة الصينية.
وقد شكلت هذه المعارك وغيرها صفحات متتابعة في ملحمة أكتوبر، وأظهرت قدرة المقاتل المصري على القتال والتخطيط والمواجهة في مختلف الظروف.
اقرأ أيضاً.. حقيقة زيادة أسعار البنزين والسولار.. البترول تحسم الجدل وتكشف موقفها

