رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

إبراهيم الرفاعي.. أسطورة المجموعة 39 قتال وبطل المهام خلف خطوط العدو

الشهيد العميد إبراهيم
الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي

تظل حرب أكتوبر المجيدة واحدة من أبرز صفحات التاريخ العسكري المصري والعربي، بعدما نجحت القوات المسلحة المصرية في تحويل إرادة التحرير إلى واقع، وخاضت معركة استعادة الأرض والكرامة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وقدمت في سبيل ذلك تضحيات كبيرة، سقط خلالها آلاف الشهداء الذين سجلوا أسماءهم بحروف من نور في سجل الوطنية المصرية.

ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، وإنما جاءت تتويجًا لسنوات طويلة من إعادة بناء القوات المسلحة والاستعداد للمعركة، وامتدادًا لمرحلة من الصراع العسكري بدأت عقب نكسة يونيو 1967، وخاض خلالها الجيش المصري حرب الاستنزاف التي كانت بمثابة مدرسة قتالية حقيقية، اكتسب خلالها المقاتلون خبرات ميدانية مهمة، واختبروا قدرتهم على تنفيذ عمليات نوعية خلف خطوط العدو.

وفي مقدمة هؤلاء الأبطال، يبرز اسم الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي، قائد المجموعة 39 قتال، الذي تحول إلى أحد أشهر رموز القوات الخاصة المصرية، بعدما ارتبط اسمه بالعمليات الجريئة خلف خطوط العدو، والضربات المفاجئة التي استهدفت مواقع ومعدات وقوات الاحتلال الإسرائيلي.

مولد ونشأة إبراهيم الرفاعي

ولد الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي في 26 يونيو عام 1931، بقرية الخلالة التابعة لمركز بلقاس بمحافظة الدقهلية، ونشأ في أسرة ذات خلفية عسكرية، وهو ما أسهم في تشكيل شخصيته ودفعه منذ سنوات شبابه الأولى إلى اختيار طريق القوات المسلحة، ليصبح فيما بعد واحدًا من أبرز قادة العمليات الخاصة في تاريخ العسكرية المصرية.

ومنذ التحاقه بالقوات المسلحة، تدرج الرفاعي في العديد من المواقع والتشكيلات العسكرية، واكتسب خبرات متنوعة جعلته يجمع بين القدرة على التخطيط والقيادة، وبين الشجاعة الميدانية والقدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف.

التحق إبراهيم الرفاعي بالكلية الحربية عام 1951، وتخرج فيها عام 1954، ثم انضم إلى سلاح المشاة، وكان ضمن أول فرقة لقوات الصاعقة المصرية.

ولم يقتصر دوره على المشاركة في العمليات العسكرية، إذ تولى مهمة التدريس بمدرسة الصاعقة، وأسهم في بناء وإعداد أول قوة للصاعقة المصرية، الأمر الذي منحه خبرة مبكرة في تدريب المقاتلين وإعدادهم للمهام القتالية الصعبة.

وكانت تلك المرحلة بمثابة بداية حقيقية لمسيرته في عالم العمليات الخاصة، حيث تميز الرفاعي بقدرته على التعامل مع طبيعة المهام التي تتطلب سرعة الحركة، ودقة التخطيط، والقدرة على العمل في ظروف بالغة الخطورة.

مع وقوع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، شارك إبراهيم الرفاعي في الدفاع عن مدينة بورسعيد، وخاض معاركها إلى جانب القوات المصرية والمقاومة، لتصبح تلك المواجهات واحدة من المحطات المهمة في مسيرته العسكرية.

وبعد ذلك، التحق بفرقة المظلات، قبل أن ينتقل مجددًا إلى قيادة وحدات الصاعقة، مواصلًا مسيرته داخل القوات المسلحة، ومكتسبًا مزيدًا من الخبرات التي أهلته لاحقًا لتولي مهام أكثر صعوبة وخطورة.

عقب عدوان الخامس من يونيو عام 1967، واجهت القوات المسلحة المصرية مرحلة جديدة من الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وبدأ التفكير في تطوير أساليب القتال وتنفيذ عمليات نوعية خلف خطوط العدو وفي عمقه.

وفي هذا السياق، اتجهت القوات المسلحة إلى تشكيل مجموعات قتالية صغيرة قادرة على تنفيذ عمليات خاصة ضد أهداف العدو، وكان من أبرز هذه التشكيلات المجموعة التي قادها الشهيد إبراهيم الرفاعي، والتي عرفت باسم المجموعة 39 قتال.

واتخذت المجموعة من رأس النمر شعارًا لها، في تعبير عن طبيعة مهامها القتالية القائمة على الجرأة والمباغتة وسرعة الحركة والقدرة على الوصول إلى أهداف العدو في أكثر المناطق خطورة.

ومنذ تأسيسها، دخلت المجموعة مرحلة جديدة من العمل العسكري، اعتمدت خلالها على تنفيذ الضربات النوعية، ومهاجمة المواقع الحيوية، وتدمير المعدات والمنشآت العسكرية، ثم الانسحاب من مناطق العمليات، في إطار حرب الاستنزاف التي خاضتها مصر ضد الاحتلال الإسرائيلي.

أولى عمليات المجموعة.. ضربات مبكرة خلف خطوط العدو

بدأت المجموعة 39 قتال عملياتها النوعية بتنفيذ مهام استهدفت مواقع وأهدافًا إسرائيلية في سيناء.

وكان من بين العمليات الأولى للمجموعة نسف قطار للعدو الإسرائيلي عند الشيخ زويد، أعقبتها عملية نسف مخازن الذخيرة التي تركتها القوات المصرية في سيناء عقب عدوان يونيو 1967.

ومثلت هذه العمليات بداية لمسيرة طويلة من المهام القتالية التي أثبتت قدرة المجموعات الصغيرة على تنفيذ عمليات دقيقة خلف خطوط العدو، رغم صعوبة الظروف وخطورة التحرك داخل مناطق يسيطر عليها الاحتلال.

خلال حرب الاستنزاف، نفذ إبراهيم الرفاعي ورجال المجموعة 39 قتال سلسلة من العمليات العسكرية النوعية، استهدفت مواقع ومنشآت ومعدات تابعة للعدو الإسرائيلي.

وكان من أبرز تلك العمليات نسف مخازن الذخيرة في الشيخ زويد عام 1968، في ضربة عكست قدرة المجموعة على الوصول إلى أهداف عسكرية مهمة وتدميرها.

كما نفذت المجموعة عملية احتلال موقع المعدية رقم 6 في مارس 1968، وهو الموقع الذي كانت تُطلق منه القذائف التي تسببت في استشهاد الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، الذي استشهد في 9 مارس عام 1968 على الجبهة المصرية.

في 29 أغسطس عام 1969، قاد إبراهيم الرفاعي واحدة من أبرز عمليات المجموعة 39 قتال، وهي عملية نسف رصيف الكرنتينة، الذي كان يمثل منطقة حيوية للعدو الإسرائيلي خلال فترة احتلاله لسيناء.

وكان الرصيف يستخدم في تجمع اللنشات العسكرية الخفيفة التي تدخل في تنفيذ العمليات العسكرية، كما كان يؤدي دورًا في تقديم الخدمات للسفن الموجودة في منطقة خليج السويس.

وصدر الأمر إلى الرفاعي ورجاله بتدمير الرصيف، فتحركت المجموعة لتنفيذ المهمة، وقام أفرادها بتحزيم الرصيف بالمفرقعات، وضبطها على توقيت محدد للانفجار، قبل أن تنفذ العملية وفق الخطة الموضوعة، لتوجه المجموعة ضربة جديدة إلى مواقع الاحتلال.

فتح طريق الزعفرانة وتطهير المنطقة من الألغام

واصلت المجموعة عملياتها النوعية في مناطق مختلفة، وفي التاسع من سبتمبر عام 1969، وبعد قيام قوات الاحتلال الإسرائيلي بسرقة رادار مصري في منطقة الزعفرانة بالبحر الأحمر، كُلف الشهيد إبراهيم الرفاعي ورجاله بسرعة التحرك إلى المنطقة.

وكانت المهمة تتمثل في إعادة فتح الطريق وتطهير الطريق الأسفلتي من الألغام التي زرعتها قوات العدو.

ونجح الرفاعي ورجاله في تنفيذ المهمة، ليؤكدوا مجددًا قدرة القوات المصرية على الوصول إلى المناطق المستهدفة وتنفيذ المهام الموكلة إليها رغم المخاطر الكبيرة التي كانت تحيط بهذه العمليات.

المجموعة 39 قتال في حرب أكتوبر

مع اندلاع حرب أكتوبر عام 1973، دخل إبراهيم الرفاعي ورجال المجموعة 39 قتال مرحلة جديدة من المواجهات، بعدما انتقلوا إلى تنفيذ عمليات نوعية في قلب المعركة، استهدفت مواقع وأهدافًا حيوية للعدو الإسرائيلي.

وفي السادس من أكتوبر، يوم العبور العظيم، نفذ الرفاعي ورجاله عملية استهدفت تدمير آبار بترول بلاعيم، في إطار ضرب الأهداف الحيوية التي يمكن أن يستفيد منها العدو خلال العمليات العسكرية.

وفي اليوم التالي، السابع من أكتوبر، واصلت المجموعة تنفيذ ضرباتها ضد مواقع القوات الإسرائيلية في شرم الشيخ ورأس محمد، إلى جانب تنفيذ عملية إغارة على مطار الطور.

ولم تتوقف عمليات المجموعة مع استمرار المعارك، ففي التاسع عشر من أكتوبر، نفذت المجموعة عملية في منطقة الدفرسوار، وأسهمت في منع قوات العدو من التقدم في اتجاه طريق الإسماعيلية - القاهرة.

وهكذا ظلت المجموعة 39 قتال تتحرك بين مناطق العمليات المختلفة، وتنفذ مهامها في ظروف شديدة الصعوبة، مستفيدة من خبرات سنوات طويلة من حرب الاستنزاف.

مع تطورات الموقف العسكري خلال حرب أكتوبر، استُدعي الشهيد إبراهيم الرفاعي إلى غرفة عمليات الحرب، حيث جرى إطلاعه على الموقف العسكري في منطقة الثغرة، وطلب منه إعداد خطة للتعامل مع المعبر الإسرائيلي.

وبعد ذلك تحرك الرفاعي على رأس رجال المجموعة 39 قتال باتجاه منطقة الجيش الثاني الميداني، وتوجه إلى مركز قيادة الجيش، وهناك تبين استحالة تنفيذ مهمة نسف المعبر عن طريق الضفادع البشرية.

وعلى إثر ذلك، صدرت توجيهات بتحرك الرفاعي ورجاله إلى منطقة تقاطع سرابيوم عند قرية نفيشة، بهدف منع تقدم قوات العدو في اتجاه الإسماعيلية.

تقدم إبراهيم الرفاعي ورجاله لتنفيذ المهمة، قبل أن تكشف عناصر الاستطلاع عن وجود مجموعة من دبابات العدو.

وعلى الفور تحرك الرفاعي باتجاه موقع الصواريخ المضادة، ثم أعاد توزيع قواته، وأصدر توجيهاته إلى رجاله بالتمركز في مواقعهم والاستعداد للاشتباك.

وبدأت المواجهة، وخاض الرفاعي ورجاله معركة شرسة ضد قوات العدو، في واحدة من أكثر اللحظات قسوة في مسيرته العسكرية.

وفي أجواء المعركة، تداخلت أصوات الاشتباكات مع أصوات القرآن وأذان الجمعة، بينما ظل رجال المجموعة في مواقعهم، يؤدون المهمة التي كُلفوا بها حتى اللحظة الأخيرة.

19 أكتوبر 1973.. يوم استشهاد أسطورة المجموعة 39

في 19 أكتوبر عام 1973، استشهد البطل إبراهيم الرفاعي بين رجاله، بعدما أصابته شظية من قذائف العدو في صدره، ليسقط شهيدًا وهو في مقدمة مقاتليه، بعد مسيرة طويلة من القتال والبطولة.

وسارع رجال المجموعة إليه، ليجدوا قائدهم قد ارتقى شهيدًا، بعد أن أمضى سنوات عمره في خدمة القوات المسلحة وخوض أصعب العمليات العسكرية.

لم تكن شهادة الرفاعي نهاية لمسيرته، وإنما تحولت إلى بداية لأسطورة بقيت حاضرة في وجدان المصريين، وأصبح اسمه مرتبطًا بالمجموعة 39 قتال وبالعمليات الخاصة وحرب الاستنزاف وانتصار أكتوبر.

أوسمة وأنواط تخليدًا لمسيرته العسكرية

حصل الشهيد العميد إبراهيم الرفاعي على عدد من الأنواط والأوسمة تقديرًا لما قدمه من أعمال وبطولات خلال مسيرته العسكرية، ومن أبرزها:

- نوط الشجاعة العسكري من الطبقة الأولى عامي 1960 و1968.
- ميدالية الترقية الاستثنائية عام 1965.
- وسام النجمة العسكرية عام 1969.
- نوط الواجب العسكري عام 1971.
- وسام نجمة الشرف عام 1971.
- وسام نجمة سيناء عام 1974.
- وسام الشجاعة الليبي عام 1974.
- سيف الشرف في يوليو 1979.

إبراهيم الرفاعي.. قائد تحول إلى رمز

لم يكن إبراهيم الرفاعي مجرد قائد عسكري شارك في عدد من المعارك والعمليات، وإنما كان نموذجًا للقائد الذي جمع بين التخطيط والجرأة والقدرة على قيادة الرجال في أصعب الظروف.

اقرأ أيضاً.. في ذكرى أكتوبر.. حكاية الفريق فؤاد عزيز غالي قائد ملحمة تحرير القنطرة

تم نسخ الرابط