الفريق سعد الدين الشاذلي.. قائد التخطيط والاستعداد لمعركة العبور في حرب أكتوبر
تظل حرب أكتوبر المجيدة واحدة من أبرز المحطات في التاريخ العسكري المصري الحديث، بعدما جسدت قدرة القوات المسلحة المصرية على إعادة بناء قدراتها القتالية، واستعادة زمام المبادرة، وخوض معركة استهدفت تحرير الأرض ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية لقناة السويس.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية عابرة، وإنما كانت ثمرة سنوات طويلة من الإعداد والتدريب والتخطيط وإعادة بناء القوات المسلحة، عقب سنوات من الصراع التي فرضت على مصر خوض معركة شاقة لاستعادة الأرض والكرامة.
وفي قلب هذه المرحلة برز عدد من القادة العسكريين الذين شاركوا في الإعداد للمعركة وإدارة عملياتها، وكان من بينهم الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال الفترة السابقة لحرب أكتوبر، وأحد أبرز الأسماء المرتبطة بمرحلة التخطيط والاستعداد للعبور.
نشأة الفريق سعد الدين الشاذلي
ولد الفريق سعد الدين الشاذلي في الأول من أبريل عام 1922 بقرية شبراتنا التابعة لمركز بسيون بمحافظة الغربية.
وفي فبراير عام 1939، التحق بالكلية الحربية وهو في السابعة عشرة من عمره، وتخرج فيها برتبة ملازم في يوليو عام 1940، لتبدأ بعدها مسيرة عسكرية امتدت لعدة عقود وشهدت مشاركته في عدد من أهم المحطات العسكرية في تاريخ مصر الحديث.
وعقب تخرجه، انتدب للخدمة في الحرس الملكي لمدة ست سنوات، خلال الفترة من عام 1943 وحتى عام 1949، قبل أن ينتقل إلى مراحل أخرى من مسيرته العسكرية التي شهدت توليه عددًا من المهام والقيادات المهمة.
المشاركة في حرب فلسطين وتأسيس قوات المظلات
شارك الشاذلي في حرب فلسطين عام 1948، وهي تجربة عسكرية كان لها حضور بارز في مسيرته المهنية.
وفي عام 1951، انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار، قبل أن يشارك عام 1954 في تأسيس وقيادة أول قوات مظلية في مصر، في إطار توجه القوات المسلحة آنذاك إلى تطوير وحداتها الخاصة وتعزيز قدراتها في تنفيذ المهام العسكرية المختلفة.
وشكلت هذه المرحلة بداية لتخصصه في مجالات القوات الخاصة والمظلات، وهي خبرات انعكست لاحقًا على المناصب القيادية التي تولّاها خلال مسيرته العسكرية.
خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، شارك سعد الدين الشاذلي في التصدي للعدوان، قبل أن ينتقل إلى تجربة عسكرية خارج مصر.
وفي عامي 1960 و1961، تولى قيادة كتيبة مصرية ضمن قوات الأمم المتحدة في الكونغو، ليصبح أول قائد عربي يتولى قيادة قوات عربية ضمن هذه المهمة، وفق ما يرد في سيرته العسكرية.
وقد أتاحت له هذه التجربة الاحتكاك بمهام عسكرية مختلفة، إلى جانب اكتساب خبرات في القيادة والعمل ضمن قوات متعددة الجنسيات.
حرب اليمن ومرحلة ما بعد 1967
شارك الشاذلي في حرب اليمن خلال الفترة من عام 1965 إلى عام 1966، حيث تولى قيادة أحد ألوية المشاة.
وبعد حرب يونيو 1967، شارك في جهود إعادة تنظيم وتطوير وحدات القوات المسلحة، وشكل مجموعة من القوات الخاصة عرفت باسم «مجموعة الشاذلي»، في إطار إعادة بناء القدرات العسكرية المصرية والاستعداد لمواجهة جديدة.
وتولى كذلك قيادة قوات الصاعقة المصرية، قبل أن يتم تعيينه قائدًا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية، في مرحلة اتسمت باستمرار المواجهات والعمليات العسكرية مع القوات الإسرائيلية.
وكان من أبرز الأحداث التي ارتبطت بتلك المرحلة حادثة الزعفرانة في 9 سبتمبر عام 1969، التي جاءت في سياق العمليات العسكرية التي شهدتها منطقة البحر الأحمر.
رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة
في 16 مايو 1971، أصدر الرئيس الراحل محمد أنور السادات قرارًا بتعيين اللواء سعد الدين الشاذلي رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية.
وتولى الشاذلي هذا المنصب في مرحلة شديدة الحساسية، كانت القوات المسلحة خلالها تعمل على إعادة بناء قدراتها القتالية، ورفع مستوى التدريب والاستعداد، بعد سنوات من المواجهات التي سبقت حرب أكتوبر.
واستمر في منصبه حتى 13 ديسمبر 1973، كما تمت ترقيته إلى رتبة فريق.
وكان منصب رئيس الأركان في تلك الفترة من أهم مواقع القيادة العسكرية، في ظل الاستعداد للانتقال من مرحلة حرب الاستنزاف إلى مرحلة جديدة تستهدف استعادة الأرض التي احتلتها إسرائيل في حرب يونيو 1967.
سنوات الإعداد لمعركة العبور
ارتبط اسم الفريق سعد الدين الشاذلي بمرحلة الإعداد والتخطيط لحرب أكتوبر، حيث شارك بحكم موقعه القيادي في إعداد خطط العمليات والتجهيز للمعركة التي استهدفت عبور قناة السويس واقتحام التحصينات الإسرائيلية على الضفة الشرقية.
وكانت عملية إعادة بناء القوات المسلحة والتدريب على العبور واقتحام الموانع والتحصينات من أبرز عناصر الاستعداد للمعركة، إلى جانب تحقيق التنسيق بين مختلف أفرع وتشكيلات القوات المسلحة.
ومع اقتراب موعد الحرب، تحولت سنوات التدريب والتخطيط إلى استعداد عملي لتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق، اعتمدت على عنصر المفاجأة، والتنسيق بين القوات البرية والجوية والبحرية والدفاع الجوي، إلى جانب وحدات الصاعقة والمظلات وغيرها من التشكيلات المشاركة.
السادس من أكتوبر.. لحظة العبور
في السادس من أكتوبر عام 1973، بدأت القوات المسلحة المصرية تنفيذ خطة العبور، حيث عبرت القوات قناة السويس تحت غطاء نيران المدفعية، وتمكنت من إنشاء رؤوس كباري على الضفة الشرقية، واقتحام عدد من النقاط والتحصينات الإسرائيلية وفتح ثغرات في خط بارليف.
وشاركت مختلف أفرع القوات المسلحة في تنفيذ العملية، فيما لعبت المدفعية والدفاع الجوي والقوات الجوية والقوات البرية أدوارًا متكاملة في دعم عملية العبور وتأمين القوات.
وكان الفريق سعد الدين الشاذلي، بحكم موقعه رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة، أحد أبرز عناصر القيادة العسكرية خلال الحرب، في إطار منظومة القيادة التي أدارت العمليات خلال معركة أكتوبر.
الشاذلي في مرحلة ما بعد الحرب
بعد انتهاء حرب أكتوبر، انتقل الفريق سعد الدين الشاذلي إلى عدد من المهام الدبلوماسية والعسكرية.
وعُين أمينًا عامًا مساعدًا لجامعة الدول العربية للشؤون العسكرية، ثم شغل منصب سفير مصر لدى إنجلترا والبرتغال.
وخلال مسيرته العسكرية والدبلوماسية، حصل على عدد من الأوسمة والتكريمات، من بينها نجمة سيناء وقلادة النيل العظمى، تقديرًا لمسيرته وما قدمه خلال سنوات خدمته.
توفي الفريق سعد الدين الشاذلي في 10 فبراير عام 2011 بالمركز الطبي العالمي التابع للقوات المسلحة، عن عمر ناهز 89 عامًا.
وبوفاته انتهت مسيرة قائد عسكري ارتبط اسمه بعدد من المراحل المهمة في التاريخ العسكري المصري الحديث، بدءًا من حرب فلسطين والعدوان الثلاثي، مرورًا بحرب اليمن وإعادة بناء القوات المسلحة عقب حرب 1967، وصولًا إلى توليه رئاسة أركان حرب القوات المسلحة خلال مرحلة الإعداد لحرب أكتوبر.
اقرأ أيضاً.. بوتين يفجّر مفاجأة عن مستقبل أوروبا: الاتحاد الأوروبي سينهار من تلقاء نفسه وموسكو مستعدة للحوار