خفض السولار وزيادة تكرير البترول محلياً.. كيف تعزز مصر أمن الطاقة وتتحول لمركز إقليمي؟
تمضي الدولة المصرية بخطى حثيثة نحو تحقيق الاستفادة القصوى من بنيتها التحتية وتوطين الصناعات التحويلية في قطاع الطاقة، عبر تحول استراتيجي يهدف إلى رفع معدلات تشغيل معامل التكرير الوطنية بكامل طاقتها الاستيعابية، وتحويل النفط الخام محلياً إلى مشتقات بترولية عالية الجودة، بما يقلل الاعتماد التدريجي على استيراد المنتجات المكررة جاهزة الصنع.
وتعكس خطط قطاع البترول للفترة المقبلة مرونة تشغيلية عالية في تلبية متطلبات السوق الداخلي ودعم الأنشطة التنموية والصناعية الكبرى، بالتوازي مع تعزيز موقع مصر كمركز لوجستي وتجاري محوري لتداول وتخزين الطاقة في حوض البحر المتوسط.
إعادة هيكلة استيراد الوقود: دعم التصنيع المحلي وتقليص السولار
تتبنى مصر نموذجاً تشغيلياً يركز على تكرير الخام محلياً بدلاً من شراء المشتقات النهائية بتكلفة أعلى، وهو ما يبرز بوضوح في مؤشرات خطة الربع الأخير من عام 2026:
خفض واردات السولار (الديزل): نجحت مصر في تقليص مشتريات السولار الخارجية بنسبة 32% لتصل إلى نحو 420 ألف طن شهرياً (1.26 مليون طن إجمالاً)، مقارنة بـ 620 ألف طن شهرياً بالفترة المقابلة من عام 2025، نتيجة لزيادة الكفاءة التشغيلية والاعتماد على الإنتاج المحلي.
تلبية الطلب المتزايد على البنزين: تستهدف الخطة استيراد 720 ألف طن شهرياً لتأمين أرصدة استراتيجية آمنة تواكب التوسع في النشاط الاقتصادي وحركة النقل والمشروعات الجديدة.
استقرار إمدادات البوتاجاز: الحفاظ على وتيرة إمدادات ثابتة ومستقرة بنحو 420 ألف طن شهرياً، لتأمين الاحتياجات المنزلية دون أي عجز.
تشغيل المصافي بكامل طاقتها: استثمارات بـ 4 مليارات دولار لتحديث المنظومة
يقود النفط الخام الزيادة الأكبر في خطط الشراء، حيث تستهدف الدولة رفع وارداته إلى نحو 7 ملايين برميل شهرياً (بإجمالي 21 مليون برميل للربع الأخير)، مقارنة بمليوني برميل شهرياً في الفترة المقابلة من 2025؛ وذلك بهدف توفير اللقيم اللازم لمصافي التكرير المصرية التي تصل طاقتها الإجمالية إلى نحو 34 مليون طن سنوياً.
وفي إطار تعظيم هذه القدرات، تعمل الدولة حالياً بقيادة وزير البترول والثروة المعدنية المهندس كريم بدوي على تنفيذ 6 مشروعات استراتيجية كبرى لتطوير وتوسعة معامل التكرير باستثمارات تتجاوز 4 مليارات دولار، مما يسهم في رفع كفاءة استخلاص المنتجات البترولية محلياً، وتوفير العملة الصعبة، والاقتراب خطوة جديدة نحو الاكتفاء الذاتي المستدام من البنزين والسولار.
تنمية الحقول المحلية وقفزة في إنتاج الغاز والنفط
بالتوازي مع تأمين الخام للمصافي، تسير برامج تحفيز الشركات العالمية ومضاعفة الإنتاج المحلي من الآبار بوتيرة متسارعة، بمشاركة 57 شركة متخصصة (بينها 8 شركات عالمية كبرى).
النفط الخام والمكثفات: استهداف رفع الإنتاج إلى نحو 626 ألف برميل يومياً بنهاية العام المالي القادم، صعوداً من 550 ألف برميل يومياً حالياً.
الغاز الطبيعي: العمل على زيادة الإنتاج الوطني ليصل إلى 4.3 مليار قدم مكعبة يومياً، مقارنة بنحو 3.8 مليار قدم مكعبة يومياً في الوقت الراهن.
بنية تخزينية ولوجستية متطورة تجذب كبرى الشركات العالمية
تتكامل هذه الرؤية الإنتاجية مع طفرة في سعات التخزين والتداول بالموانئ المصرية، والتي تبلغ حالياً نحو 29 مليون برميل:
مجمع لوجستي عالمي بالإسكندرية: البدء في إنشاء منطقة لوجستية متكاملة داخل ميناء الإسكندرية باستثمارات أولية تتخطى 600 مليون دولار، تشمل رصيفاً بحرياً بطول 900 متر ومساحة 300 ألف متر مربع، لدعم أنشطة التداول الإقليمي.
طرح مستودعات التخزين للاستثمار: طرح 10 مستودعات استراتيجية للنفط والمنتجات البترولية للإيجار بميناءي العين السخنة ورأس بدران، لتعظيم العائد من الأصول وجذب رؤوس الأموال الأجنبية لتخزين وتجارة النفط من خلال البوابة المصرية.
تؤكد هذه التحركات المتوازية نجاح السياسة البترولية المصرية في التحول من مستهلك تقليدي إلى قوة تصنيعية ولوجستية فاعلة، قادرة على حماية أمن الطاقة الداخلي وتوفير احتياجات التنمية، بالتزامن مع لعب دور ريادي في حركة تداول الطاقة الإقليمية والعالمية.
