أين تنتهي صلاحيات المحافظ؟.. طارق المهدي يكشف تشابك الاختصاصات ويطالب بإصلاح المحليات
أكد اللواء طارق المهدي، محافظ الإسكندرية والبحر الأحمر والوادي الجديد الأسبق، أن إصلاح الإدارة المحلية في مصر يتطلب الانتقال من المركزية إلى اللامركزية الفعلية، بما يمنح المحافظات صلاحيات أوسع لاتخاذ القرارات والتعامل بصورة أسرع مع احتياجات المواطنين.
وشدد المهدي على أن اللامركزية لا تقتصر على إصدار التشريعات والقوانين، وإنما تبدأ بوجود قيادة قادرة على المبادرة واتخاذ القرار والنزول إلى الشارع ومتابعة المشكلات على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن عقلية المحافظ وقدرته على التحرك تمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح منظومة الإدارة المحلية.
المهدي يستعرض تجربته في 3 محافظات
جاء ذلك خلال مشاركة اللواء طارق المهدي في إلقاء محاضرة ضمن فعاليات «البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات»، الذي ينظمه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، تحت رعاية الدكتور السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، وبإشراف النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد المعهد، بهدف إعداد وتأهيل كوادر شابة قادرة على المشاركة الفاعلة في العمل العام والإدارة المحلية.
وخلال المحاضرة الثالثة للبرنامج، استعرض المهدي رؤيته لإصلاح الإدارة المحلية، مستندًا إلى خبراته العملية خلال توليه مسؤولية ثلاث محافظات مختلفة في طبيعتها وجغرافيتها، هي الوادي الجديد والبحر الأحمر والإسكندرية، متناولًا أبرز التحديات التي تواجه المحافظات، وفي مقدمتها التشابك بين اختصاصات المحافظين والوزارات والهيئات المركزية.
وأوضح، أن جوهر أزمة الإدارة المحلية يتمثل في تداخل الاختصاصات وسحب العديد من الصلاحيات التنفيذية من المحافظين، نتيجة إنشاء شركات وهيئات قومية موازية تتبع الوزارات بصورة مباشرة في قطاعات حيوية، من بينها مياه الشرب والصرف الصحي والتعليم والصحة والتموين.
وأشار إلى أن هذا التشابك يؤدي إلى صعوبة محاسبة المسؤول التنفيذي عن مشكلات لا يمتلك في الأساس الأدوات والصلاحيات اللازمة لحلها، إذ يكون المحافظ في كثير من الأحيان المسؤول الأول أمام المواطنين ووسائل الإعلام عن الأزمات والخدمات داخل نطاق محافظته، رغم محدودية الموارد والصلاحيات الموضوعة تحت تصرفه المباشر.
ميزانية الإسكندرية.. المحافظ لا يملك سوى جزء محدود من المخصصات
وضرب المهدي مثالًا بمحافظة الإسكندرية، موضحًا أن ميزانيتها في إحدى السنوات بلغت نحو 5 مليارات جنيه، بينما لم يكن الخاضع لتصرف المحافظ المباشر سوى نحو 190 مليون جنيه، في حين توزعت بقية المخصصات على الوزارات والهيئات المركزية.
وأكد أن هذا الوضع يخلق فجوة بين المسؤولية والصلاحيات، إذ يُطلب من المحافظ التعامل مع مشكلات تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، بينما تكون الأدوات المالية والتنفيذية اللازمة للتعامل معها خارج نطاق سيطرته.
فصل الدور الفني للوزارة عن المسؤولية التنفيذية للمحافظة
وطرح المهدي ضرورة الفصل بين الدور الفني للوزارة والدور الإداري والتنفيذي للمحافظة، بحيث تتولى الوزارة وضع الخطط والمواصفات الفنية وإبرام العقود، على أن تنتقل مسؤولية تشغيل المشروعات وإدارتها إلى المحافظة بعد الانتهاء منها.
وشدد على أهمية أن تكون المسؤولية واضحة، بحيث تتم محاسبة المحافظ والأجهزة المحلية بصورة مباشرة عن أي تقصير يتعلق بالتشغيل أو الصيانة، بدلًا من استمرار حالة التشابك التي تجعل تحديد المسؤول عن أوجه القصور أمرًا معقدًا.
الحسم الميداني أنهى مشروعات متعثرة لسنوات
واستعرض المحافظ الأسبق عددًا من التجارب التي خاضها خلال توليه المسؤولية في المحافظات الثلاث، موضحًا أن الحسم الميداني والوجود المباشر في مواقع المشكلات كانا عاملين أساسيين في التعامل مع ملفات ظلت متعثرة لسنوات.
وأشار إلى نجاحه في إنهاء أزمة 23 مشروعًا للصرف الصحي في الإسكندرية كانت متوقفة منذ سنوات، بعدما جمع المسؤولين التنفيذيين عن المياه والصرف والطرق في مواقع المشروعات خلال ساعات متأخرة من الليل، لمعاينة المشكلات على الطبيعة واتخاذ قرارات مباشرة، وهو ما ساهم في الانتهاء من المشروعات خلال نحو 10 أشهر.
كما تحدث عن عدد من الحلول الميدانية التي جرى تنفيذها لمواجهة مشكلات البنية التحتية، من بينها التعامل مع أزمة اندفاع المياه في إحدى ترع مياه الشرب بالإسكندرية، إلى جانب إيجاد حل مؤقت لأزمة الصرف الصحي في منطقة المندرة بالقرب من الأكاديمية البحرية، لحين الانتهاء من المحطة الرئيسية.
مشروعات متوقفة لسنوات في البحر الأحمر والوادي الجديد
وفي البحر الأحمر، أشار المهدي إلى أن محطة صرف مدينة سفاجا، التي كانت متوقفة لنحو 10 سنوات، جرى الانتهاء منها خلال شهرين.
وفي محافظة الوادي الجديد، تناول عددًا من التدخلات التي استهدفت حل أزمة توصيل المرافق لنحو 10 آلاف شقة سكنية، إلى جانب التعامل مع مشروع الصرف الصحي بالعاصمة الخارجة، الذي كان متعطلًا منذ عام 2004.
المستشفيات المتوقفة نموذج لتشابك الاختصاصات
وتطرق المهدي إلى ملف المستشفيات والمنشآت الطبية المتوقفة، معتبرًا أنه يمثل نموذجًا واضحًا لتضارب الاختصاصات بين المحافظات والوزارات والهيئات المختلفة.
واستعرض تجربته مع مستشفى سموحة الجامعي، الذي تعطل تشغيله رغم افتتاحه، بسبب الخلافات المرتبطة بتبعية الأطقم الطبية وإدارة المستشفى.
كما أشار إلى مستشفى برج العرب، الذي ظل مغلقًا لسنوات رغم وجود تجهيزات طبية ومبانٍ مخصصة لسكن الأطباء، موضحًا أنه اتخذ إجراءات لتجاوز التعقيدات الإدارية وتمكين المستشفى من بدء تقديم الخدمة الطبية للمواطنين.
التعامل مع المواطنين يحتاج إلى بُعد إنساني
وأكد المهدي أن الإدارة المحلية لا تنفصل عن البعد الإنساني في التعامل مع المواطنين، مستشهدًا بتجربته خلال أزمة ضبط مجموعات من الشباب والأسر أثناء محاولة الهجرة غير الشرعية بمنطقة الأنفوشي.
وأوضح أنه تعامل مع هؤلاء باعتبارهم مواطنين يحتاجون إلى الاحتواء والحماية، وجرى توفير الإقامة والإعاشة لهم، خاصة الأطفال والنساء، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل معهم من زاوية العقاب.
استغلال أصول المحافظات دون بيع أراضي الدولة
وفي ملف التنمية الاقتصادية، شدد المهدي على ضرورة منح المحافظات أدوات حقيقية لتعظيم مواردها الذاتية واستغلال أصولها بصورة اقتصادية، دون اللجوء إلى بيع أراضي الدولة.
واستعرض تجربة استغلال المساحات الموجودة أسفل بعض كباري الإسكندرية لإنشاء محلات تجارية تستوعب الباعة الجائلين، بما ساهم في تنظيم الشوارع وتوفير مصدر دخل لهم، إلى جانب تحقيق عائد للمحافظة.
كما تناول عددًا من المبادرات التي استهدفت الشباب وترشيد الإنفاق، من بينها استخدام الطاقة الشمسية والزراعة المائية على أسطح إحدى المدارس بالإسكندرية، فضلًا عن مبادرة «شباب عايز يعيش» التي اعتمدت على توفير منافذ لبيع الخضراوات بأسعار مخفضة.
شراكة مع القطاع الخاص وحوكمة الإدارة المحلية
وشدد المهدي على أهمية تفعيل الشراكة مع القطاع الخاص لاستغلال أصول المحافظات وتحويلها إلى مشروعات إنتاجية واستثمارية توفر فرص العمل وتعزز الموارد المحلية.
وأكد كذلك أهمية تطبيق الحوكمة والتحول الرقمي ومؤشرات قياس الأداء، بما يسهم في رفع مستوى الشفافية، والحد من الفساد والمحسوبية، وتقليل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف.
قانون جديد للإدارة المحلية لحسم تشابك الاختصاصات
وأكد المهدي أن إصدار قانون جديد للإدارة المحلية يمثل ضرورة لحسم العلاقة بين المحافظين والوزارات والهيئات المختلفة، موضحًا أن الاعتماد على التنسيق والحلول الودية وحده قد يؤدي إلى استمرار تضارب الاختصاصات والتنصل من المسؤولية.
وشدد على ضرورة أن تحدد النصوص القانونية بصورة واضحة صلاحيات كل طرف، وأن يتناول القانون قطاعات الصحة والتعليم والزراعة والتموين والعمران والاستثمار والمناطق الصناعية، بما يضمن وجود إدارة محلية متكاملة وقادرة على التعامل مع احتياجات المواطنين.
دعوة لانتخاب 55 ألف عضو بالمجالس المحلية
كما دعا المهدي إلى تفعيل المجالس الشعبية المحلية باعتبارها الجناح الثاني للإدارة المحلية والرقابة الشعبية، مشيرًا إلى أهمية وجود نحو 55 ألف عضو محلي على مستوى القرى والأحياء.
وأوضح، أن مهمة هؤلاء الأعضاء تتمثل في نقل احتياجات المواطنين، وتحديد الأولويات، ومتابعة تنفيذ المشروعات، ورصد أوجه القصور والفساد داخل الأجهزة التنفيذية، بما يجعل المجالس المحلية حلقة وصل حقيقية بين المواطن والجهاز التنفيذي.
وأبدى المهدي تفضيله لنظام الانتخاب الفردي المباشر في اختيار أعضاء المجالس المحلية، بما يسمح بانتخاب شخصيات مرتبطة بصورة مباشرة بأهالي القرى والأحياء، وقادرة على ممارسة الرقابة والمساءلة بعيدًا عن هيمنة القوائم المغلقة.
نقاش حول مستقبل اللامركزية ودور الشباب
وشهدت المحاضرة نقاشًا موسعًا بين اللواء طارق المهدي والمشاركين حول مستقبل الإدارة المحلية وانتخابات المجالس الشعبية المحلية، ودور الشباب في الحياة السياسية، ومستقبل اللامركزية وآليات تمثيل مختلف الفئات.
من جانبها، أكدت النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن «البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات» يستهدف إعداد جيل جديد من الكوادر القادرة على المشاركة في الحياة العامة والعمل السياسي والإدارة المحلية.
وأوضحت أن البرنامج يستمر لمدة شهر، ويتضمن محاضرات ولقاءات تدريبية حول الإدارة المحلية والتشريعات المنظمة لها، وأسس العمل السياسي وآليات المشاركة المجتمعية.
ويأتي البرنامج في إطار توجه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية نحو دعم وتأهيل الكوادر السياسية والشبابية، والاستفادة من خبرات الشخصيات السياسية والتنفيذية والأكاديمية، بما يسهم في إعداد كوادر محلية تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع احتياجات المواطنين والتحديات التي تواجه المجتمعات المحلية.