رائد الديب يكتب: من الرعاية إلى صناعة الإنسان.. "ماما منى" وحكاية أطفال دار رعاية بنين طنطا
الأستاذة منى الفيشاوي، أو "ماما منى" كما كان يناديها أطفال دار رعاية أولاد طنطا، ليست مجرد مشرفة أو مسؤولة عن دار للرعاية، بل نموذج لإنسانة قررت أن تجعل من الرحمة أسلوب حياة، ومن رعاية الأطفال رسالة تتجاوز حدود الوظيفة والمسؤولية.
تعرفت إليها بالمصادفة خلال رحلة مصيف بأحد شواطئ مرسى مطروح، حيث كانت هي ومن معها من المشرفين والمشرفات، بصحبة أكثر من عشرين طفلا، تتفاوت أعمارهم – على حد تقديري – بين الرابعة والعاشرة تقريبا، يقضون يوما على شاطئ كورنيش الأبيض بمرسى مطروح.
كان المشهد بالنسبة لي أكبر من مجرد أطفال يستمتعون بالمياه والرمال، كان أمامي درس حي في الإنسانية.. الأطفال، بطبيعتهم، كانوا في قمة الشقاوة والحيوية، هذا يركض، وذاك يلهو في المياه، وثالث يضحك، ورابع يريد أن يذهب بعيدا، بينما كانت عيون المشرفين لا تفارقهم لحظة.
لم تكن الرقابة عليهم تحمل قسوة أو عصبية، ولم تكن التعليمات تصدر من موقع الأمر والسيطرة، وإنما كانت ممزوجة بحنان واضح وخوف حقيقي عليهم.. كل طفل كان له نصيب من الاهتمام، ومن يسأل عن شيء يجد من يسمعه، ومن يبتعد قليلا يجد من يطمئن عليه، ومن يرهقه اللعب يجد يدا تمتد إليه.
وكانت "ماما منى" في قلب هذا المشهد، تتابع الجميع بعين الأم قبل عين المشرفة.. نبرة صوتها، وطريقة حديثها، وحرصها على الأطفال، كلها كانت تقول إن هؤلاء الصغار ليسوا مجرد أرقام في دار رعاية، وإنما أرواح تحتاج إلى الحب قبل أي شيء آخر.
ولم تكن وحدها؛ فالمشرفين والمشرفات الذين رافقوها كانوا على القدر نفسه من المسؤولية والاهتمام.. حتى إن الأطفال كانوا ينادون أحد المشرفين بلقب يحمل معنى الألفة والقرب يا "جدو"، وكأنهم يعيشون بينهم في أسرة حقيقية لا في مؤسسة.. وفي ذلك اليوم، أدركت أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان للإنسان ليس المال ولا الأشياء، وإنما أن يشعره بأنه محبوب، وأن هناك من يخاف عليه، ويحميه، ويفرح لفرحه.
تحية من القلب إلى "ماما منى" وكل مشرف ومشرفة حملوا أمانة هؤلاء الأطفال.. فأنتم لا ترعون أطفالا فقط، بل تمنحونهم شيئا ربما يكون أعظم من كل شيء، إحساس الأسرة والأمان والرحمة.. وفي نهاية ذلك اليوم، ظل المشهد عالقا في ذاكرتي أكثر ما بقيت تفاصيل البحر والرمال والشمس، أدركت أن ما رأيته لم يكن مجرد رحلة ترفيهية لأطفال إلى الشاطئ، وإنما كان صورة نادرة من صور الرحمة حين تتحول إلى سلوك يومي ومسؤولية حقيقية، رأيت في عيون "ماما منى" ومن معها خوف الأم على أبنائها، وفي حرصهم على كل طفل معنى الأمان، وفي صبرهم على شقاوتهم وضحكاتهم وركضهم بين الماء والرمال معنى آخر للحب لا يحتاج إلى كلمات.
هؤلاء الأطفال ربما حرموا من دفء بيت أو حضن أم وأب، لكن الله عوضهم بأناس اختاروا أن يكونوا لهم أهلا، وأن يمنحوهم من وقتهم وقلوبهم ما يجعلهم يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم في هذا العالم.
لقد غادرت الشاطئ يومها، لكن صورة "ماما منى" وهي تحيط بأطفالها بعينيها وقلبها لم تغادرني، ومن هنا أقول لماما منى، ولكل مشرف ومشرفة كانوا معها _ لم يشرفني الحظ أن أتعرف عليهم جميعا بالاسم، لكن صفاتهم تحدث عنهم؛ أقول لهم جميعا: ربما لا يعرف هؤلاء الأطفال الآن قيمة ما تفعلونه من أجلهم، وربما تكبر الأيام وينسون تفاصيل كثيرة من طفولتهم، لكنني على يقين أن شيئا واحدا سيبقى في داخلهم مهما طال الزمن: إحساسهم بأن هناك يوما كان فيه على هذا الشاطئ أكثر من عشرين طفلت يركضون ويلعبون ويضحكون، وكانت هناك عيون تحرسهم، وقلوب تخاف عليهم، وأياد تمتد إليهم بحب، وهذا، في حد ذاته، ليس مجرد رعاية لطفل.. إنها صناعة إنسان؛ فطوبى لكل من جعل الرحمة مهنة، والحب رسالة، والأمان حقا لكل طفل.