هجمات البحر الأسود.. هل تبدأ موجة جديدة لارتفاع أسعار الغذاء عالميًا؟
تتزايد المخاوف بشأن أسعار الغذاء العالمية مع استمرار التوترات العسكرية في البحر الأسود وبحر آزوف، بعدما انعكست الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا على حركة السفن وموانئ تصدير الحبوب، مما أدى إلى تراجع تدفقات القمح والحبوب ورفع مستوى القلق بشأن الإمدادات خلال الفترة المقبلة.
وتكتسب التطورات أهمية خاصة، حيث تستحوذ روسيا وأوكرانيا معًا على أكثر من ربع صادرات القمح العالمية، إلى جانب دورهما الكبير في تجارة الشعير والذرة وزيت دوار الشمس، وهو ما يجعل أي اضطراب طويل في موانئ البلدين عاملًا مؤثرًا في أسعار الغذاء العالمية.
تراجع صادرات الحبوب يضغط على الأسواق
كثفت روسيا خلال الفترة الأخيرة هجماتها على البنية التحتية الزراعية الأوكرانية، وشملت الضربات موانئ رئيسية مثل تشورنومورسك وأوديسا وبيفديني، إلى جانب استهداف موانئ نهر الدانوب التي تحولت إلى مسار بديل للصادرات بعد اضطراب حركة البحر الأسود.
وأدت هذه التطورات إلى انخفاض صادرات الحبوب الأوكرانية خلال أغسطس إلى نحو خُمس مستواها المحتمل، وفق تصريحات تاراس فيسوتسكي وزير الزراعة الأوكراني، كما حذرت وزارة الزراعة من إمكانية تراجع صادرات المنتجات الزراعية خلال الموسم الحالي إلى أقل من نصف التقديرات السابقة.
وفي الجانب الروسي، أدت الهجمات الأوكرانية إلى اضطراب ممرات تصدير رئيسية، بعدما تعرضت منشآت في نوفوروسيسك لأضرار نتيجة هجوم بطائرات مسيرة، بينما بلغت صادرات القمح الروسية خلال أغسطس أقل من نصف الكميات المسجلة في الشهر نفسه من العام الماضي.
البحر الأسود شريان رئيسي للقمح العالمي
تمثل منطقة البحر الأسود واحدة من أهم مراكز التجارة الزراعية الدولية، حيث تعتمد عليها أسواق عديدة في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا للحصول على القمح والحبوب بأسعار تنافسية.
وتحتل روسيا المركز الأول عالميًا في صادرات القمح، وتوفر نحو طن من كل ستة أطنان متداولة في الأسواق الدولية، بينما تعد أوكرانيا موردًا رئيسيًا للقمح والذرة وزيت دوار الشمس.
وقال مات داراج محلل الحبوب والبذور الزيتية لدى شركة «كبلر»، إن قمح البحر الأسود عادة ما يكون الأرخص عالميًا، محذرًا من أن المشترين الحساسين للأسعار قد يقلصون وارداتهم أو يضطرون إلى دفع تكاليف أعلى، وهو ما قد ينعكس على أسعار الغذاء العالمية.
الطقس والحرب يزيدان الضغوط
لا تأتي اضطرابات البحر الأسود بمعزل عن تحديات أخرى تواجه أسواق الغذاء، حيث تسببت موجات الحر في أضرار للمحاصيل الأوروبية، بينما يهدد الجفاف في مناطق زراعية رئيسية بالولايات المتحدة بزيادة أسعار بعض السلع الأساسية.
كما يضيف اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز ضغوطًا على تكاليف الأسمدة والوقود ومدخلات الإنتاج الزراعي، في وقت تلوح فيه مخاطر عودة ظاهرة «إل نينيو»، بما قد يزيد تقلبات الطقس ويؤثر في الإنتاج الزراعي بعدة مناطق حول العالم.
ورغم ذلك، لا تزال المخزونات العالمية من الحبوب عند مستويات مريحة نسبيًا، كما تمثل رومانيا وبلغاريا وصربيا بدائل مهمة لإمدادات القمح من منطقة البحر الأسود، وهو ما قد يحد من صدمة فورية في أسعار الغذاء العالمية.
وتسعى تركيا إلى إعادة إحياء اتفاق يسمح باستمرار حركة الحبوب، حيث قال هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، في 31 أغسطس، إن بلاده تجري اتصالات مع روسيا وأوكرانيا في محاولة لإعادة الاتفاق الذي سبق أن توسطت فيه الأمم المتحدة.
وفي الوقت ذاته، تواجه أوكرانيا ضغوطًا اقتصادية إضافية بسبب اعتمادها على صادرات الحبوب كمصدر مهم للعملة الأجنبية، بينما قد تدفع صعوبات التصدير المزارعين الروس إلى تقليص زراعة المحاصيل الشتوية، وهو ما يمكن أن تظهر تداعياته على الإمدادات والأسعار العالمية في المواسم المقبلة.



