هل الحسد يقتل؟.. علماء يحسمون الجدل حول علاقة العين بالوفاة ويحذرون من هذا الأمر
يثير الحديث عن الحسد والعين تساؤلات عديدة حول مدى تأثيرهما في حياة الإنسان، وما إذا كان من الممكن أن يصل الأمر إلى إصابة شخص بمرض أو ضرر شديد، بل أو التسبب في وفاته.
ويُعد الحسد من الأخلاق المذمومة والأمراض الخطيرة التي حذرت منها الشريعة الإسلامية، لما يتركه من آثار سلبية على نفس الحاسد وسلوكه، إذ لا يقتصر ضرره على الشخص الذي يتمنى الحاسد زوال نعمته، وإنما يمتد إلى الحاسد نفسه، فيعيش في حالة مستمرة من الهم والغم والحزن بسبب ما يراه من نعم لدى الآخرين.
وقد نُقل عن الحسن البصري رحمه الله قوله: «ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من حاسد؛ نفس دائم وحزن لازم وعبرة لا تنفد»، في إشارة إلى أن الحاسد قد يتحول إلى أسير لمشاعر الحقد والضيق وعدم الرضا.
وتناول العلماء مسألة العين والحسد، مؤكدين أن العين حق، وأن لها تأثيرًا، لكن هذا التأثير لا يخرج عن إرادة الله سبحانه وتعالى وقدره، وهو ما يجعل مسألة الربط المباشر بين وفاة شخص وبين حسد شخص آخر له من الأمور التي تحتاج إلى قدر كبير من التثبت وعدم الجزم فيها دون دليل.
وأشار النص إلى ما أخرجه البزار من حديث جابر بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالأنفس»، وفسر الراوي «الأنفس» بالعين.
كما نقل عن الإمام النووي قوله إن الحديث يتضمن إثبات القدر وصحة أمر العين، وأنها قد تكون قوية الضرر، بينما ذكر المناوي في «فيض القدير» الرواية التي ورد فيها: «أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالعين»، مع تفسير «النفس» بالعين.
وتؤكد النصوص الشرعية أن العين حق، كما ورد في السنة النبوية، إلا أن ذلك لا يعني أنها تعمل بصورة مستقلة عن إرادة الله سبحانه وتعالى.
وفي هذا السياق، ورد في «حلية الأولياء» لأبي نعيم، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين تُدخل الرجل القبر، وتُدخل الجمل القدر»، وهو من الأحاديث التي يستدل بها على وجود تأثير للعين.
وتناول العلماء هذه المسألة من زاوية عقدية مهمة، وهي أن كل ما يقع للإنسان من نفع أو ضرر إنما يقع بقدر الله تعالى، وبالتالي فإن الاعتقاد بوجود العين لا يعني أبدًا إغفال حقيقة أن الله سبحانه وتعالى هو المقدر لكل شيء.
وفي رده على سؤال حول إمكانية أن يؤدي الحسد إلى وفاة شخص، قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر: «لأ ميموتش ولا يوصل للحكاية دي».
وأوضح علي جمعة أن الحسد لا يصل إلى درجة التسبب في الوفاة، مشيرًا إلى إمكانية الوقاية منه من خلال قراءة سور القرآن الكريم، ومنها سورة الإخلاص وسورتا الفلق والناس.
وتأتي هذه الرؤية في إطار التأكيد على أهمية التحصن بالأذكار والقرآن، وعدم الاستسلام للخوف أو الوساوس المرتبطة بالحسد والعين.
وفي المقابل، تحدث الدكتور عبد الله سلامة، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى، عن إمكانية أن يؤدي الحسد إلى الموت.
وأوضح أن الإنسان قد يحسد غيره دون أن يشعر، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.
وضرب سلامة مثالًا على ذلك بشخص يخرج مع زوجته إلى مكان عام، ثم ينشر صورًا لهما على مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد ذلك تحدث مشكلة أو مصيبة دون أن يعرف أصحابها سببها، مشيرًا إلى أن البعض قد يرى أن الحسد يمكن أن يكون أحد الأسباب المحتملة وراء ما حدث.
وأضاف أن الحسد قد يكون سببًا في الموت، مشيرًا كذلك إلى أن الإنسان قد يقول أو يدعو بكلمات دون أن يقصد نتائجها، وضرب مثالًا بالأم التي قد تدعو على ابنها في لحظة غضب، ثم تقع له مصيبة، فتقول بعد ذلك إنها لم تكن تقصد ما قالت.
وفي تناول أكثر تفصيلًا للمسألة، أجاب الشيخ أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، عن سؤال حول إمكانية أن تسبب العين أو الحسد الموت، موضحًا أن العين أو الحسد قد يؤديان إلى الضرر، لكن لا يجوز الجزم بأن شخصًا بعينه قتل شخصًا آخر بسبب حسده له.
وأكد أن الربط المباشر بين وفاة شخص والحسد لا يجوز على الإطلاق، محذرًا من أن هذا التفكير قد يؤدي إلى تكوين عقلية قائمة على الخرافة، بحيث يصبح الإنسان يفسر كل مرض أو حادث أو مشكلة بأنها نتيجة للسحر أو الحسد.
وشدد على ضرورة عدم الانشغال بهذه الأفكار بصورة مبالغ فيها، موضحًا أن ورود الحسد في القرآن الكريم لا يعني أن يعيش الإنسان في حالة من الخوف المستمر من الآخرين، وإنما المقصود أن يحذر الإنسان من الحسد ويتعوذ بالله منه.
وأشار أمين الفتوى إلى أهمية التحصن بالقرآن الكريم والذكر، ومن ذلك قراءة سورة الفاتحة والمعوذتين، إلى جانب الإكثار من ذكر الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وأكد أن المطلوب هو اتخاذ أسباب التحصين المشروعة، مع عدم تحويل الحسد إلى تفسير جاهز لكل ما يحدث في حياة الإنسان.
فإذا أصيب شخص بمرض، أو تعرض لحادث، أو مر بأزمة، فلا يصح أن يجزم مباشرة بأن السبب هو الحسد، لأن أسباب الأحداث لا يمكن تحديدها بالظن والتخمين، كما أن الإيمان بالعين لا يتعارض مع الإيمان الكامل بأن كل شيء يقع بقدر الله سبحانه وتعالى.
وأوضحت أن هذا المعنى ورد في كتب اللغة، ومن بينها «القاموس المحيط» للفيروزآبادي، حيث عرّف الحسد بأنه تمني انتقال النعمة والفضيلة إلى الحاسد أو زوالهما عن صاحبها.
وأكدت دار الإفتاء أن الحسد من الأخلاق الذميمة والأمراض المهلكة التي أمر الله تعالى بالاستعاذة منها، مستشهدة بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ من سورة الفلق.
كما ورد النهي عن الحسد في السنة النبوية، ومن ذلك ما أخرجه الإمام أحمد في «مسنده» عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا...».
وأوضحت دار الإفتاء أن السنة النبوية تضمنت أحاديث تثبت أن العين حق، وأن لها تأثيرًا على الشخص الذي يصاب بها.
ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين».
كما ورد في الصحيحين عن السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمرها أن تسترقي من العين.
ونقل عن الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم أن هذه النصوص تؤكد إثبات القدر، وأن الأشياء كلها تقع بقدر الله تعالى، ولا يقع ضرر العين أو غيره من الخير والشر إلا وفق ما قدره الله سبحانه وتعالى، مع إثبات صحة أمر العين وقوة ضررها.
كما أوضح الإمام ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» أن الله تعالى قد يخلق عند نظر العائن وإعجابه بالشيء ما يترتب عليه من ألم أو هلكة إذا شاء، وقد يصرف هذا الضرر قبل وقوعه بالاستعاذة أو غيرها، كما قد يُصرف بعد وقوعه بالرقية.
ويكشف هذا التناول عن نقطة أساسية في فهم مسألة العين، وهي أن وجود تأثير لها لا يعني أنها قوة مستقلة عن مشيئة الله، وإنما هي من الأسباب التي قد يقع أثرها بقدر الله تعالى.
اقرأ أيضًا.. مرصد الأزهر يحذر من تصعيد خطير بعد اقتحام المسجد الأقصى وأداء طقوس استفزازية داخله