أول مناظرة رئاسية في فرنسا.. انقسام الوسط يمهد الطريق أمام لوبان وميلانشون
تتجه الأنظار إلى أول مناظرة رئاسية مرتقبة في فرنسا، والمقرر عقدها الخميس، وسط أجواء سياسية شديدة التوتر وانقسامات متصاعدة داخل المعسكرين الوسطي والمحافظ، في وقت تبدو فيه الساحة السياسية مهيأة بصورة متزايدة لصعود التيارات المتطرفة، وعلى رأسها اليمين المتطرف بزعامة مارين لوبان، واليسار الراديكالي الذي يقوده جان لوك ميلانشون.
وكان من المفترض أن تمثل المناظرة فرصة مهمة للمرشحين الوسطيين والمحافظين لإبراز برامجهم الاقتصادية وقدرتهم على تقديم حلول واقعية للأزمات التي تواجه البلاد، إلا أن التطورات السياسية الأخيرة تشير إلى أن المعسكر التقليدي يدخل هذا الاستحقاق وهو يعاني حالة من الارتباك وغياب الرؤية الموحدة.
تُعقد المناظرة ضمن المؤتمر السنوي لاتحاد أرباب العمل الفرنسي «ميديف» (MEDEF)، أحد أبرز جماعات الضغط الاقتصادي في فرنسا، وذلك على ملاعب رولان غاروس الشهيرة، التي تستضيف عادة منافسات التنس على الملاعب الترابية.
ومن المنتظر أن يخضع سبعة مرشحين رئاسيين لاستجواب مباشر بشأن رؤيتهم الاقتصادية وخططهم الرامية إلى جعل فرنسا أكثر جاذبية أمام الشركات والمستثمرين، إلى جانب مناقشة الملفات المرتبطة بالاستثمار والنمو والإنفاق العام والقدرة التنافسية للاقتصاد الفرنسي.
وعادة ما تمثل مثل هذه الفعاليات فرصة مواتية للمرشحين المعتدلين، خصوصًا أولئك الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم أصحاب رؤية اقتصادية واقعية وقادرين على التعامل مع تحديات الشركات والأسواق والاستثمار.
إلا أن المشهد الانتخابي الحالي يبدو مختلفًا، إذ يعاني المرشحون التقليديون حالة من الانقسام والصراعات الداخلية، بالتزامن مع استمرار التيارات المتطرفة في توسيع نفوذها السياسي وفرض أجندتها على النقاش العام.
تأتي الأزمة المالية الفرنسية في مقدمة الملفات التي تحظى باهتمام كبير خلال المؤتمر، في ظل استمرار العجز في الموازنة وتضخم الدين العام إلى مستويات قياسية.
وتجاوز الدين الفرنسي حاجز 3.5 تريليون يورو، بما يعادل نحو 117.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك حتى قبل احتساب التأثيرات الناجمة عن الارتفاع الأخير في تكاليف الاقتراض العالمية، وهو ما يضع الحكومات المقبلة أمام تحديات صعبة تتعلق بكيفية ضبط الإنفاق وخفض العجز والحفاظ في الوقت نفسه على النمو الاقتصادي.
ويعتبر قطاع الأعمال أن معالجة الدين العام والعجز المالي تمثل إحدى القضايا الأكثر إلحاحًا، في ظل مخاوف متزايدة من ارتفاع تكلفة تمويل الدولة وتأثير ذلك على الاقتصاد والاستثمارات وثقة الأسواق.
مقترح ميلانشون يربك الحسابات
في خضم البحث عن حلول للأزمة المالية، تصدر مقترح مرشح اليسار المتطرف جان لوك ميلانشون واجهة النقاش، بعدما دعا إلى أن يتدخل البنك المركزي الأوروبي لإسقاط مدفوعات الفائدة على السندات الفرنسية التي يحتفظ بها.
ويُنظر إلى هذا الطرح باعتباره إجراءً شديد الجرأة، ومن المرجح أن يثير مخاوف المستثمرين والأسواق المالية، خصوصًا أن فرنسا تعتمد بصورة كبيرة على المستثمرين لتمويل ديونها السيادية.
وتعارض القوى الوسطية وقطاع الأعمال بشدة مقترح ميلانشون، ومن بينهم رئيس اتحاد «ميديف» باتريك مارتان، إلا أن طرح المرشح اليساري تمكن رغم ذلك من احتلال موقع متقدم في النقاش السياسي بشأن مستقبل المالية العامة الفرنسية.
ويعكس ذلك تحولًا لافتًا في طبيعة المنافسة الانتخابية، إذ لم يعد الصراع يدور فقط حول قدرة المرشحين التقليديين على إدارة الاقتصاد، وإنما أصبح يتمحور أيضًا حول المقترحات التي تقدمها القوى المناهضة للمؤسسة السياسية باعتبارها بدائل جذرية للنظام الاقتصادي القائم.
صعود اليمين المتطرف واليسار الراديكالي
تأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المؤشرات على نجاح المرشحين المناهضين للمؤسسة السياسية في استثمار حالة القلق الاقتصادي والاجتماعي التي تعيشها فرنسا.
ومع تدهور التوقعات الاقتصادية واستمرار الضغوط على المالية العامة، تحاول التيارات المتطرفة تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الحلول الأكثر قدرة على إحداث تغيير جذري، مستفيدة من حالة الإحباط لدى قطاعات من الناخبين تجاه الأحزاب التقليدية.
ويختصر النائب إروان بالانان، المنتمي إلى حزب «الحركة الديمقراطية» الوسطي، حالة الارتباك داخل المعسكر المعتدل، قائلًا إن هذه المرحلة كان من المفترض أن تكون فرصة للسياسيين الذين يتمتعون بالمصداقية في القضايا الاقتصادية، لكنه بات لا يعرف على وجه الدقة من الذي يمكن وصفه بأنه يتمتع بهذه المصداقية.
وتشير استطلاعات الرأي إلى استمرار زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان في تصدر السباق الرئاسي مقارنة ببقية المرشحين، بينما كشف استطلاع للرأي نُشر الاثنين عن استمرار صعود جان لوك ميلانشون، مع تمتعه بموقع قوي يؤهله للمنافسة على الوصول إلى الجولة الثانية.
وتجرى الانتخابات الرئاسية الفرنسية وفق نظام الجولتين، فإذا لم يتمكن أي مرشح من الحصول على أكثر من 50% من الأصوات في الجولة الأولى، ينتقل المرشحان الأكثر حصولًا على الأصوات إلى الجولة الثانية.
وفي حال انتهى السباق إلى مواجهة بين لوبان وميلانشون، فإن فرنسا والاتحاد الأوروبي سيواجهان سيناريو بالغ الحساسية، في ظل مواقف الرجلين والمرشحين اللذين يمثلانهما تجاه عدد من الركائز الأساسية للمشروع الأوروبي والسياسات التقليدية المتبعة داخل الاتحاد.
استطلاعات الرأي تشعل الخلاف داخل الوسط
وبدلًا من أن تدفع نتائج الاستطلاع الأخير القوى الوسطية المتقاربة أيديولوجيًا إلى توحيد صفوفها، جاءت التطورات لتزيد حدة الصراع الداخلي.
ويبرز في هذا المعسكر رئيسا الوزراء السابقان إدوار فيليب وغابرييل أتال، إلى جانب زعيم المحافظين برونو ريتايو، في ظل منافسة متزايدة على قيادة المعسكر القادر على مواجهة صعود لوبان وميلانشون.
كما لم تؤد نتائج الاستطلاع إلى تقريب وجهات النظر بين القوى الوسطية، بل ساهمت في تصعيد الخلافات والمنافسة، الأمر الذي أثار مخاوف شخصيات بارزة من أن استمرار الانقسام قد يمنح التيارات المتطرفة فرصة أكبر لتوسيع نفوذها.
وقال رئيس الوزراء السابق والشخصية الوسطية المخضرمة فرانسوا بايرو، في مقابلة مع قناة «بي إف إم تي في» الثلاثاء، إن نتائج استطلاعات الرأي تكشف ما وصفه بانهيار القوى التي ترفض الوقوف إلى جانب الأطراف المتطرفة.
وفي الدوائر السياسية القريبة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تتزايد المخاوف من أن لوبان وميلانشون أصبحا المرشحين الأكثر قدرة على تقديم روايات سياسية واضحة ومقنعة تستطيع جذب الناخبين، في وقت يعاني فيه المعسكر الوسطي من صعوبة في بلورة خطاب انتخابي قادر على استعادة ثقة الشارع.
ويرى أحد حلفاء ماكرون المقربين أن القوى المعتدلة بحاجة إلى تقديم طرح سياسي جديد وأصيل، يكون قادرًا على إعادة بناء الثقة مع الناخبين وإقناعهم بأن الوسط السياسي لا يزال يمتلك حلولًا عملية للأزمات التي تواجه البلاد.
وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة في ظل حالة التشتت التي تسيطر على المشهد، إذ إن استمرار تعدد المرشحين داخل المعسكر الوسطي قد يؤدي إلى تشتت الأصوات، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرشحي الأطراف المتطرفة للوصول إلى الجولة الثانية.
أما غابرييل أتال، الذي يقود حزب «النهضة» الذي أسسه ماكرون، فقد أمضى فترة الصيف في الترويج لعدد من المقترحات المتعلقة بملفات التعليم والهجرة وإصلاح نظام العدالة الجنائية، في محاولة لإعادة تقديم نفسه باعتباره أحد أبرز وجوه الجيل الجديد داخل المعسكر الوسطي.
غير أن تصريحًا أدلى به الثلاثاء تسبب في حالة من الاستياء داخل هذا المعسكر، بعدما قال إن الكتلة الوسطية لا تمتلك في الوقت الراهن مرشحًا متقدمًا في السباق.
ويأتي هذا التصريح رغم أن غالبية استطلاعات الرأي، بما فيها استطلاع نُشر الأربعاء، أظهرت تقدم إدوار فيليب على أتال والمحافظ برونو ريتايو.
ويكشف ذلك عن حجم التوتر داخل المعسكر الوسطي، حيث تبدو المنافسة على ترشيح الشخصية القادرة على خوض الانتخابات الرئاسية أكثر حدة من أي وقت مضى.
وكان أتال وفيليب قد تعهدا في نهاية المطاف بالتوصل إلى اتفاق يقضي بدعم المرشح الذي يحقق أفضل أداء في استطلاعات الرأي، في محاولة لتجنب تشتت أصوات الناخبين الوسطيين.
وقال فيليب إن الاتفاق بشأن المرشح الذي سيحظى بالدعم سيتم التوصل إليه خلال الفترة الممتدة بين نوفمبر وفبراير.
لكن مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي وتصاعد الضغوط السياسية، تبدو المنافسة بين الرجلين أكثر حدة، بل وأكثر عدائية، وهو ما يهدد بإضعاف فرص المعسكر الوسطي في حال فشل في تجاوز خلافاته الداخلية قبل الدخول في المراحل الحاسمة من السباق.
معركة إنقاذ الوسط قبل فوات الأوان
وتضع المناظرة المرتقبة المعسكر الوسطي أمام اختبار بالغ الأهمية، إذ لن تكون مجرد مواجهة لعرض البرامج الاقتصادية أمام رجال الأعمال، وإنما ستكون فرصة لإثبات أن القوى التقليدية لا تزال قادرة على تقديم إجابات مقنعة لأزمة الدين والعجز والنمو والاستثمار.
اقرأ أيضاً.. إنتاج القمح يتجاوز 10 ملايين طن لأول مرة.. مصر تقترب من تقليص فجوة الاستيراد