رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

مجلس الأمن أمام اختبار صعب.. جوتيريش يحذر من تداعيات عجزه عن إنهاء حرب السودان

أنطونيو جوتيريش
أنطونيو جوتيريش

تتصاعد المخاوف الدولية من استمرار الحرب الدائرة في السودان، في ظل عجز المجتمع الدولي عن التوصل إلى آلية فعالة تضع حدًا للقتال المستمر، وسط انقسامات سياسية حادة داخل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتزايد التدخلات الخارجية التي ساهمت في تدفق الأسلحة المتطورة إلى أطراف النزاع.

وفي هذا السياق، وجّه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش انتقادات حادة إلى القوى الكبرى، محذرًا من أن استمرار الخلافات الدولية وعدم القدرة على اتخاذ خطوات حاسمة لوقف الحرب السودانية لا يؤدي فقط إلى تفاقم الكارثة الإنسانية داخل البلاد، وإنما يهدد أيضًا استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها.

وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواصل فيه الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وسط أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة، ونزوح ملايين المدنيين، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، إلى جانب تصاعد استخدام الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة في مناطق القتال.

اعتبر أنطونيو جوتيريش أن حالة الجمود الدبلوماسي داخل مجلس الأمن تحمل تداعيات خطيرة تتجاوز حدود السودان، مؤكدًا أن استمرار عجز المجتمع الدولي عن التوصل إلى موقف موحد تجاه الحرب يفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية ويزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية.

وأوضح أن تداعيات الحرب يمكن أن تمتد إلى دول الجوار، خاصة كينيا وأوغندا وإثيوبيا، في ظل استمرار تدفق اللاجئين وانتشار الأسلحة بصورة غير منضبطة، وهو ما يهدد بنية الأمن الإقليمي الهشة في منطقة القرن الأفريقي.

وتزداد المخاوف من أن يؤدي استمرار الصراع لفترة أطول إلى خلق أزمات أمنية وإنسانية جديدة في الدول المجاورة، التي تتحمل بالفعل أعباء كبيرة نتيجة موجات النزوح والاحتياجات المتزايدة للاجئين الفارين من مناطق القتال.

تكشف الأزمة السودانية بصورة واضحة عن القيود التي تواجه مجلس الأمن في التعامل مع الصراعات الدولية، خاصة عندما تتعارض مصالح القوى الكبرى.

وأشار جوتيريش إلى أن الانقسامات العميقة بين الولايات المتحدة وروسيا أدت عمليًا إلى إضعاف قدرة المجلس على التحرك بصورة حاسمة تجاه الأزمة السودانية، الأمر الذي انعكس على الجهود الرامية إلى فرض إجراءات فعالة لوقف القتال أو تأمين ممرات إنسانية تسمح بوصول المساعدات إلى ملايين المدنيين المتضررين.

وأدى هذا الجمود إلى صعوبة اتخاذ إجراءات دولية موحدة وقابلة للتنفيذ، سواء فيما يتعلق بالعقوبات أو الضغط السياسي أو آليات حماية المدنيين، في الوقت الذي تتسع فيه رقعة الحرب وتتزايد احتياجات السكان.

ومع استمرار حالة الجمود داخل أعلى هيئة دولية معنية بحفظ الأمن والسلم، برزت مساحة أكبر أمام جهات خارجية للتدخل في الصراع السوداني، سواء بصورة مباشرة أو عبر دعم أطراف محلية وشبكات مسلحة ومرتزقة.

وتشير المعطيات إلى أن مصالح استراتيجية واقتصادية متعددة تقف وراء الاهتمام الخارجي بالسودان، في ظل امتلاك البلاد احتياطيات كبيرة من الذهب، إلى جانب موقعها الاستراتيجي على ساحل البحر الأحمر، فضلًا عن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية.

وتجعل هذه المقومات السودان ساحة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة، الأمر الذي يزيد من مخاوف تحول الحرب الداخلية إلى صراع بالوكالة تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية، بما يصعب مهمة الوصول إلى حل سياسي شامل.

وفي ظل استمرار المعارك، تتفاقم الكارثة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، مع اضطرار ملايين السودانيين إلى مغادرة منازلهم هربًا من القتال والعنف.

وتشير التقديرات الواردة في الإحاطات الأممية إلى أن نحو 13 مليون سوداني فروا من ديارهم منذ اندلاع الحرب، من بينهم نحو 8.7 مليون نازح داخليًا موزعون على الولايات السودانية الـ18.

وتعكس هذه الأرقام الحجم الهائل للأزمة الإنسانية التي خلفها الصراع، بعدما فقد ملايين المواطنين منازلهم ومصادر رزقهم، واضطروا إلى البحث عن أماكن أكثر أمنًا داخل السودان أو اللجوء إلى دول الجوار.

وخلال الفترة الممتدة من يناير إلى يونيو 2026، وثّق مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان نحو 1400 حالة وفاة بين المدنيين، في مؤشر جديد على ارتفاع التكلفة البشرية للحرب.

والأكثر إثارة للقلق، بحسب البيانات التي جرى عرضها أمام مجلس الأمن، أن نحو 1100 حالة وفاة من هذه الحالات ارتبطت بصورة مباشرة بهجمات باستخدام الطائرات المسيّرة، في ظل تصاعد الاعتماد على هذا النوع من الأسلحة في العمليات العسكرية.

ويعكس انتشار الطائرات المسيّرة وتطور استخدامها تحولًا خطيرًا في طبيعة الحرب، خصوصًا مع إمكانية تنفيذ ضربات بعيدة المدى واستهداف مناطق مأهولة، الأمر الذي يزيد المخاطر التي يتعرض لها المدنيون ويصعّب جهود حمايتهم.

العنف الجنسي والاختطاف.. أدوات أخرى للحرب

ولا تقتصر الانتهاكات على القتل والنزوح، إذ وثقت الأمم المتحدة 838 حالة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، مع تحذيرات من استمرار استخدام العنف الجنسي والاختطاف والقتل الجماعي كأدوات في الحرب.

وتؤكد هذه الوقائع أن المدنيين لا يواجهون خطر القصف والاشتباكات فقط، وإنما يتعرضون أيضًا لانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، الأمر الذي يضيف بعدًا جديدًا إلى الكارثة الإنسانية ويزيد الحاجة إلى آليات دولية فعالة لحماية السكان ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.


وخلال جلسة إحاطة عقدها مجلس الأمن في 24 أغسطس، قدمت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، عرضًا للتطورات المرتبطة بالحرب السودانية، مسلطة الضوء على التكلفة الإنسانية المتزايدة نتيجة استمرار القتال وعدم التوصل إلى وقف مستدام لإطلاق النار.

وأظهرت الإحاطة حجم التحديات التي تواجه جهود الأمم المتحدة في ظل اتساع رقعة النزاع، واستمرار العنف ضد المدنيين، وصعوبة إيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق الأكثر احتياجًا.

وفي مواجهة استمرار القتال والجمود الدولي، تبرز في الداخل السوداني محاولات محدودة لإيجاد مسار سياسي يمكن أن يمهد لمرحلة جديدة في البلاد.

وكثفت السلطات السودانية خلال الفترة الأخيرة جهودها لدعم حوار ذي طابع مدني، بهدف فتح نقاش حول مستقبل البلاد السياسي، والوصول إلى صيغة يمكن أن تسهم في إنهاء حالة الانقسام وإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وتبقى هذه المبادرات، رغم أهميتها، محاطة بتحديات كبيرة في ظل استمرار العمليات العسكرية وتعدد الأطراف المؤثرة في المشهد السوداني، فضلًا عن اتساع حجم الأزمة الإنسانية.

السودان أمام مفترق طرق

وتشير التطورات المتلاحقة إلى أن الحرب السودانية لم تعد أزمة داخلية محدودة، بل تحولت إلى أزمة إقليمية ودولية تتشابك فيها الأبعاد العسكرية والسياسية والإنسانية والاقتصادية.

 

اقرأ أيضاً.. مدينة زويل تقود سباق الابتكار.. أبحاث علمية تتحول إلى حلول تخدم السوق والاقتصاد

تم نسخ الرابط