رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

سعد هنداوي في حواره لـ"تفصيلة": قابلت "عشماوي" من أجل "السفاح" والسينما "بتموت"

سعد هنداوي
سعد هنداوي

بين "أكشن" التي تعلن بداية المشهد و"فركش" التي تطوي يوم تصوير طويل يعيش رحلته مع السينما، يتعامل مع الكاميرا كأنها شريكه في الحكي، يمتلك إحساس صادق يجعل المشاهد ينسى أنه أمام شاشة ويصدق أن ما يراه قطعة من الحياة.

في عالم سعد هنداوي الحكايات لا تنتهي يغوص داخل نفوس أبطاله، يجعلك تتعاطف مع "السفاح" وتكرهه في مشاعر مختلطة، أو تتمايل وتدور مع "راقص التنورة" حتى تلمس بيدك "ألوان السما السابعة"، يعرف كيف يُمسك بتلابيب شخصياته حتى تراها على الشاشة من لحم ودم.  

وفي حواره مع "تفصيلة" يكشف "هنداوي" كواليس نجاح "فات الميعاد" وأسباب غيابه عن السينما ورؤيته لصناعة يصفها بأنها تمر بواحدة من أصعب مراحلها، كما يستعيد ذكرياته مع الراحل فاروق الفيشاوي، ويؤكد أن العمل الذي يتمنى أن يتذكره الناس به "لسه ما عملتوش".

بعد سنوات من الغياب عن الدراما لماذا اخترت العودة من خلال "فات الميعاد"؟

من أول مرة قرأت فيها المعالجة شعرت أن العمل قريب جداً من الناس، المسلسل لا يتحدث عن أبطال خارقين أو شخصيات استثنائية لكنه ينحاز للطبقة المتوسطة والبسطاء ويحكي عن تفاصيلهم اليومية ومشاكلهم وأحلامهم وحتى تناقضاتهم، هذا النوع من الحكايات دائماً يلمسني لأنه يشبه أغلبية المجتمع.

ما الذي جذبك في المشروع قبل أن تبدأ التصوير؟

في البداية لم أقرأ السيناريو كاملاً ولكن اطلعت على المعالجة وملفات الشخصيات الرئيسية فقط، لكن ذلك كان كافياً لاتخاذ القرار في الليلة نفسها.

أكثر ما لفت انتباهي أن الشخصيات لم تكن نمطية فلا يوجد خير مطلق أو شرير مطلق لكن لكل شخصية أكثر من وجه وأكثر من دافع والأجمل أن هذه الطبقات لا تُكشف دفعة واحدة وإنما يكتشفها المشاهد تدريجياً مع تطور الأحداث وهو ما يمنح الشخصيات حياة حقيقية.

بعد موافقتي بدأت جلسات العمل مع مشرف ورشة الكتابة محمد فريد والمنتج إبراهيم حمودة لمتابعة كتابة الحلقات وتطويرها قبل بدء التصوير.

هل توقعت هذا النجاح قبل عرض المسلسل؟

أثناء التصوير لا أملك رفاهية التفكير في ردود الأفعال أو حسابات النجاح، كل تركيزي يكون منصب على المشهد الذي نصوره في تلك اللحظة وكيف يخرج بأفضل صورة ممكنة.

لكن كان لدي يقين أننا نقدم العمل بصدق ولا نلجأ إلي الاستسهال سواء في أداء الممثلين أو اختيار أماكن التصوير أو تنفيذ المشاهد كنت مؤمناً أن استمتاع فريق العمل بما يقدمه مع السعي الدائم للإتقان سينعكس تلقائياً على المشاهد.

ما أكثر المشاهد التي أرهقتك أثناء التصوير؟

أصعب المشاهد بالنسبة لي ليست مشاهد الحركة وإنما تلك التي تتطلب من الممثل الوصول إلى إحساس دقيق في لحظة محددة، وكانت هناك مشاهد احتاجت مجهود مضاعف، مثل مشهد الاعتداء في الحلقة الثانية، إذ كنت حريصاً على تنفيذ الحركة كما خُطط لها بدقة حتى يشعر المشاهد بحدة العنف مع الحفاظ في الوقت نفسه على سلامة الممثلين.

كما أعتبر نهاية الحلقة الخامسة بما شهدته من مشاجرة وصفعات ومحاولة خنق من أصعب المشاهد في تنفيذها إلي جانب مشهد وفاة "عفاف" الذي قدمته الفنانة حنان سليمان لأنه كان من أكثر المشاهد تأثيراً بالنسبة لي على المستوى الإنساني.

هل أجريت أي تعديلات على السيناريو أثناء التصوير؟

لا أحب هذا الأسلوب التعديل أثناء التصوير مخاطرة كبيرة، لذلك أفضل أن تُناقش كل التفاصيل قبل الوقوف أمام الكاميرا، قد يحدث أحياناً هو تعديل بسيط في صياغة جملة حتى تصبح أسهل على الممثل لكن البناء الدرامي للمشهد يكون محسوم بالكامل قبل بدء التصوير.

المسلسل تصدر "التريند" وفتح نقاش واسع حول العنف الأسري.. ما أكثر رد فعل لمسته من الجمهور؟

أكثر ما أسعدني كان إحساس الناس بصدق العمل، كنت أقرأ تعليقات تقول: "إحنا حاسين إن اللي بنشوفه حقيقي مش تمثيل"، أو "دول ناس شبهنا"، ودي بالنسبة لي أكبر شهادة نجاح.

الأجمل أن الجمهور لم يتعامل مع الشخصيات بطريقة سطحية، في البداية تعاطفوا مع" بسمة"، وبعدها اختلفت الآراء حولها، وفي المقابل كره كثيرون شخصية "مسعد"، ثم عاد بعضهم ليتفهم دوافعه، هذا التفاعل أكد لي أن الشخصيات خرجت من إطار الأبيض والأسود وأصبحت شخصيات من لحم ودم لكل منها مبرراتها وأخطاؤها.

بعد "فات الميعاد".. ماذا يختلف في "اللون الأزرق"؟

كل عمل بالنسبة لي رحلة جديد، لكن "اللون الأزرق" كان من أصعب التجارب التي خضتها، المسلسل يدور حول أسرة لديها طفل مصاب بطيف التوحد وكان التحدي الأكبر أن نقدم هذه التجربة بصدق من دون خطاب مباشر أو وعظ ومن دون أن يتحول العمل إلى مادة توعوية.

وجود طفل في السادسة من عمره يؤدي شخصية بهذه الحساسية كان مسؤولية كبيرة لذلك سبق التصوير فترة طويلة من البحث والقراءة واستعنت بأطباء متخصصين راجعوا السيناريو وحضروا التصوير للتأكد من دقة كل تفصيلة تخص الشخصية.

أنا مؤمن أن أي عمل أوافق عليه لابد أن يمسني أولاً وإذا نجح "اللون الأزرق" في أن يجعل أسرة لديها طفل من ذوي التوحد تشعر بأن أحداً يراها ويفهم معاناتها أو يغير ولو قليلاً نظرة المجتمع لهذه الفئة وهو بالنسبة لي مكسب كبير.

أعمالك تناقش قضايا اجتماعية وإنسانية.. هل أصبح هذا معيارك في الاختيار؟

لا أتعمد أبداً البحث عن قضية معينة لأنني أؤمن أن الفن في الأساس خلق ليمنح الناس المتعة، وما يشغلني قبل أي شيء أن يستمتع المشاهد بما يراه؛ أن تكون الصورة مريحة للعين وحركة الكاميرا لها معنى والممثل صادق وشريط الصوت مدروس ومواقع التصوير تشبه الشخصيات التي تعيش فيها.

عندما يندمج المشاهد مع العمل ويستمتع به يصبح أكثر استعداداً لتلقي أي فكرة أو قضية يحملها، أما إذا غابت المتعة فلن تصل الرسالة مهما كانت أهميتها.

قدمت تجارب مختلفة بين السينما والدراما.. هل هناك نوع معين تشعر أنه الأقرب إليك؟

بصراحة لا أفكر بهذه الطريقة ما يجذبني دائماً هو السيناريو الجيد، وليس تصنيف العمل، في "حالة حب" أردت من خلال قصة عائلة بسيطة أن أناقش أسئلة أكبر تتعلق بالهوية والانتماء والعلاقات الإنسانية، بينما في "ألوان السما السبعة" جذبتني فكرة الحب المستحيل بين فتاة ليل معتزلة وراقص تنورة وهي مغامرة لم تكن سهلة وقتها خاصة في ظل سيطرة الأفلام الكوميدية وأفلام الأكشن.

حتى اختيار مواقع التصوير كان جزء من الحكاية، لذلك فضلت القاهرة القديمة بكل تفاصيلها لأنها كانت "بطل خفي" في الفيلم، تماماً مثل الشخصيات، وأياً كان نوع العمل أقضي وقت طويل في البحث قبل التصوير وكأني أعمل على مشروع فيلم وثائقي لأن الخيال وحده لا يكفي لصناعة عالم مقنع.

قدمت فاروق الفيشاوي بصورة مختلفة في "ألوان السما السبعة".. كيف تتذكر تلك التجربة؟

الراحل فاروق الفيشاوي كان متحمساً للفيلم بشكل كبير ولم يتعامل مع الدور باعتباره مجرد شخصية جديدة ولكنه دخل في رحلة تحضير حقيقية، كان يقسم يومه بين تدريبات رقص التنورة والجيم، لأن أداء هذه الشخصية احتاج مجهود بدني كبير، خاصة أن رقص التنورة ليس سهلاً كما يعتقد البعض.

والنتيجة كانت مبهرة إذ حصد عن دوره جائزة أفضل ممثل في مهرجان African Movie Academy Awards، التي تُعد من أبرز الجوائز السينمائية في أفريقيا.

وعلى المستوى الإنساني كان" الفيشاوي" مثال للجدعنة والالتزام ولا أتذكر أنه تأخر دقيقة واحدة عن موعد التصوير طوال فترة العمل.

فيلم "السفاح" كان من أصعب أعمالك.. كيف استعددت له؟

"السفاح" كان حالة استثنائية، قبل التصوير كان لدينا ملف ضخم عن الشخصية الحقيقية يتضمن تفاصيل حياته منذ الطفولة وخطاباته وتحليل نفسي دقيق وحتى الألوان التي كان يفضلها في حياته اليومية، حتى ما نشر عن أول سرقة في حياته وهو طفل.

ولم أكتفِ بما كُتب عنه ولكن التقيت الضابط الذي كان مسؤولاً عنه قبل تنفيذ حكم الإعدام، كما تحدثت مع "عشماوي" الذي نفذ الحكم لأنني كنت أريد أن أفهم الحالة النفسية لشخص "داخل على الإعدام" ولكل من عاش هذه التجربة وليس القاتل فقط.

كل هذه التفاصيل لم تكن للمعرفة فقط لكنها انعكست على طريقة تنفيذ الفيلم لأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق على الشاشة.

رغم أن السينما هي بيتك الأول لماذا ابتعدت عنها خلال السنوات الأخيرة؟

أنا لم أبتعد عن السينما بإرادتي، لكن السؤال الحقيقي هو "أين السينما"؟. 
للأسف صناعة السينما بـ"تموت" وتمر بمرحلة صعبة تقلص الإنتاج لدرجة رهيبة ثم اقتصر على إما كوميدي أو فيلم خفيف لا تعلم أسباب عمله وتضائلت الفرص، والمخرج لا يقرر أن يبتعد عن السينما بـ" مزاجه" لكنه يبحث عن مشروع، ثم يتوقف ويبدأ مشروع آخر ثم يتعثر فلا يجد أمامه إلا أن يعمل في المتاح ويحاول تحقيق درجة الإتقان في عمل الفيلم وينقلها للعمل التلفزيوني. 

في رأيك ما الذي ينقص السينما المصرية حالياً؟

ينقصها الرجوع بحجم إنتاج أكبر بكثير لأن لو زاد العدد سوف يظهر التنوع لا محالة ويجب فصل الإنتاج عن التوزيع وعودة شركات الإنتاج الصغيرة للعمل.

هل هناك عمل تشعر أنه لم يحصل على ما يستحقه؟

لا أحب وصف أي عمل بأنه مظلوم لأن نجاح أي فيلم أو مسلسل لا يعتمد على جودته وحدها، ولكن هناك عوامل كثيرة تتحكم في وصول العمل إلى الجمهور منها موعد العرض والدعاية والتسويق وحتى أسماء الأبطال، لهذا أركز فقط على الجزء الذي يخصني وهو التحضير والتصوير وكل مراحل ما بعد الإنتاج أما ما يحدث بعد ذلك فهو مسؤولية جهات أخرى.

هل هناك فيلم تحلم بتقديمه؟

هناك أفلام كثيرة تدور في خيالي وحكايات أتمنى أن تجد طريقها إلى الشاشة، أحلم بعمل يمس الناس ويترك أثراً فيهم، لأن السينما بالنسبة لي ليست مجرد حكاية لكنها إحساس يبقى مع المشاهد بعد انتهاء الفيلم.

هل هناك مشهد في السينما كنت تتمنى أن تكون أنت من أخرجه؟

أنا من عشاق السينما الكلاسيكية وأحفظ أفلاماً كثيرة عن ظهر قلب لكن عندما أشاهدها أنسى أنني مخرج، أضحك مع مشاهد الكوميديا وأتأثر في المشاهد الحزينة وأتوتر في لحظات الرعب، وأترك نفسي للفيلم دون أن أفكر في كيفية تنفيذ المشهد رغم أنني أعرف ذلك جيداً، أحب أن أعيش التجربة كمشاهد لا كمخرج يحلل كل لقطة.

عملت مع عدد كبير من الفنانين.. من أكثر ممثل فاجأك أثناء التصوير؟

لا أستطيع أن أذكر اسماً واحداً لأنني محظوظ بالعمل مع ممثلين رائعين وعلاقتي بالممثل علاقة خاصة فأنا أحرص على أن يشعر بالراحة والتركيز وأمنحه الوقت الكافي حتى نصل معاً إلي الإحساس الذي يخدم الشخصية والمشهد

بعد كل هذه الرحلة ما بين السينما والدراما ما هو العمل الذي تحب أن يتذكرك به الجمهور؟

ابتسم سعد هنداوي قبل أن يجيب بجملة تختصر طموحه كله: "لسه ما عملتوش".

تم نسخ الرابط