رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

القدوة أقوى من أي تطبيق.. رسالة مهمة من خبيرة اجتماع للأسر

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

مع التوسع الهائل في استخدام الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، باتت الأسرة تواجه تحديات غير مسبوقة في أداء دورها التربوي، بعدما أصبح العالم الرقمي شريكًا رئيسيًا في تشكيل أفكار الأطفال وسلوكياتهم، بل ومنافسًا حقيقيًا لمؤسسات التنشئة التقليدية.

وفي الوقت الذي يرى فيه البعض أن التكنولوجيا سحبت البساط من تحت أقدام الأسرة وأضعفت تأثيرها في الأبناء، يؤكد خبراء علم الاجتماع أن الأسرة لا تزال الركيزة الأساسية في بناء شخصية الإنسان، وأن دورها لم ينتهِ، وإنما أصبح أكثر أهمية وتعقيدًا، ويحتاج إلى أساليب جديدة تتناسب مع طبيعة العصر الرقمي.

وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة أمل شمس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، أن الأسرة ستظل المؤسسة الأولى للتنشئة الاجتماعية، مشيرة إلى أن بناء الإنسان يبدأ من داخل المنزل، مهما تعددت مصادر المعرفة أو تطورت وسائل التكنولوجيا.

الأسرة.. المدرسة الأولى وصانعة الشخصية

وخلال مداخلة هاتفية ببرنامج "مع الناس" المذاع على قناة الناس، أكدت الدكتورة أمل شمس أن الأسرة تمثل النواة الأساسية التي يتشكل داخلها وعي الطفل وشخصيته، موضحة أن أي مجتمع لا يمكن أن يستقر أو يتقدم دون وجود أسرة قوية قادرة على أداء رسالتها التربوية.

وأضافت أن السنوات الأولى من عمر الطفل تعد المرحلة الأكثر تأثيرًا في تكوين شخصيته، إذ يكتسب خلالها عاداته وسلوكياته وقيمه الأساسية من البيئة الأسرية، قبل أن يتفاعل مع المجتمع الخارجي أو المؤسسات التعليمية.

وشددت على أن الأسرة ليست مجرد مكان لتوفير الاحتياجات المعيشية، وإنما هي المؤسسة التي تزرع المبادئ وتؤسس الضمير وتغرس قيم الانتماء والمسؤولية.

الأسرة هي الوطن الأول للطفل

وأوضحت أستاذ علم الاجتماع أن الطفل يرى العالم لأول مرة من خلال أسرته، ولذلك تُعد الأسرة "الوطن الأول" الذي تتشكل داخله رؤيته للحياة، حيث يتعلم من والديه كيفية التعامل مع الآخرين، وطريقة التعبير عن مشاعره، واحترام القوانين والقيم الاجتماعية.

وأضافت أن العلاقة اليومية بين الطفل ووالديه هي التي ترسم ملامح شخصيته المستقبلية، فكل تصرف أو سلوك يصدر داخل المنزل يترك أثرًا عميقًا في وجدانه، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا.

وأكدت أن الطفل لا يفرق في سنواته الأولى بين ما يُقال له وما يراه أمامه، بل يتأثر بصورة أكبر بما يشاهده من مواقف وسلوكيات داخل أسرته.

وأشارت الدكتورة أمل شمس إلى أن التربية الحقيقية لا تعتمد على النصائح أو الأوامر فقط، وإنما تقوم بالدرجة الأولى على القدوة الحسنة، مؤكدة أن الأطفال يقلدون ما يشاهدونه أكثر مما ينفذون ما يسمعونه.

وأوضحت أن التزام الوالدين بالقيم الدينية، واحترام الآخرين، والمحافظة على النظام والنظافة، والصدق في التعامل، والانتماء للوطن، كلها سلوكيات تنتقل تلقائيًا إلى الأبناء من خلال الممارسة اليومية.

وأضافت أن غرس الأخلاق لا يتحقق بالشعارات، وإنما من خلال بيئة أسرية يعيش فيها الطفل هذه القيم بصورة عملية في كل تفاصيل حياته.

وأكدت أن نجاح الأسرة في تنشئة الأبناء يعتمد على تحويل المبادئ إلى ممارسات واقعية داخل المنزل، لأن الطفل يتعلم من التجربة والمشاهدة أكثر من التعلم بالتلقين.

وأضافت أن أسلوب تعامل الوالدين مع بعضهما البعض، واحترامهما للكبار، وطريقة حل الخلافات داخل الأسرة، كلها دروس عملية تشكل شخصية الطفل وتنعكس لاحقًا على علاقاته بالمجتمع.

العالم الرقمي ينافس الأسرة والمدرسة بقوة

وأوضحت أستاذ علم الاجتماع أن التطور التكنولوجي السريع جعل العالم الرقمي ينافس الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام التقليدية في التأثير على الأطفال، خاصة مع الاستخدام المبكر للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وشبكات الإنترنت.

وأضافت أن الطفل أصبح يقضي ساعات طويلة أمام الشاشات، ويتلقى كمًا هائلًا من المعلومات والأفكار دون وجود رقابة كافية في كثير من الأحيان، وهو ما يجعل المحتوى الرقمي شريكًا رئيسيًا في تشكيل شخصيته.

وأكدت أن هذا الواقع يفرض على الأسرة مسؤولية مضاعفة لمتابعة الأبناء، والتعرف على طبيعة المحتوى الذي يشاهدونه، وتوجيههم نحو الاستخدام الآمن والإيجابي للتكنولوجيا.

وشددت الدكتورة أمل شمس على أن حرمان الأطفال من استخدام التكنولوجيا بشكل كامل ليس وسيلة ناجحة للتربية، موضحة أن المنع المطلق قد يدفع الطفل إلى التعلق بها بصورة أكبر والبحث عنها بطرق أخرى.

وأكدت أن الحل يكمن في بناء وعي حقيقي لدى الطفل منذ سنواته الأولى، بحيث يتعلم كيفية استخدام التكنولوجيا بصورة مسؤولة، ويدرك بنفسه الفرق بين المحتوى المفيد والمحتوى الضار.

وأضافت أن التربية الرقمية أصبحت جزءًا أساسيًا من التربية الحديثة، وأن الأسرة مطالبة بالحوار المستمر مع الأبناء، وليس فقط فرض القيود عليهم.

وأشارت إلى أن منح الأطفال الهواتف الذكية أو الأجهزة الإلكترونية في أعمار صغيرة دون إعداد تربوي مناسب أو متابعة مستمرة قد يترك آثارًا سلبية على نموهم الفكري والاجتماعي والنفسي.

وأوضحت أن مسؤولية الأسرة لا تنتهي عند شراء الأجهزة أو توفير وسائل الترفيه، وإنما تبدأ من تعليم الأبناء كيفية استخدامها بطريقة تحقق الاستفادة وتحميهم من المخاطر الرقمية.

وأضافت أن الطفل الذي ينشأ على أسس تربوية سليمة سيكون أكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا دون أن يفقد هويته أو قيمه أو يتأثر بالمحتويات السلبية.

وأكدت أستاذ علم الاجتماع أن الأسرة الناجحة هي التي تستطيع تحقيق التوازن بين الاستفادة من التطور التكنولوجي والمحافظة على القيم الأخلاقية والاجتماعية، موضحة أن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست خطرًا، وإنما تكمن الخطورة في سوء استخدامها أو غياب التوجيه الأسري.

اقرأ أيضاً.. مصر تواصل دعم غزة.. الهلال الأحمر يدفع بقافلة إغاثية جديدة

تم نسخ الرابط