رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

ذكرى افتتاح الجامع الأزهر.. كيف أصبح منارة الإسلام السني وقلعة الوسطية في العالم؟

الازهر الشريف
الازهر الشريف

تحل في الثاني والعشرين من يونيو ذكرى تاريخية خالدة في سجل الحضارة الإسلامية والمصرية، إذ شهد هذا اليوم إقامة أول صلاة في الجامع الأزهر بالقاهرة، ليبدأ منذ تلك اللحظة مسيرة استثنائية امتدت لأكثر من ألف عام، تحول خلالها من مسجد حديث البناء إلى واحدة من أعرق المؤسسات الدينية والعلمية في العالم الإسلامي، ومنارة للفكر الوسطي المعتدل ومرجعًا دينيًا لملايين المسلمين في مختلف أنحاء العالم.

ويمثل الجامع الأزهر أحد أبرز الشواهد الحية على تعاقب الحضارات والدول التي حكمت مصر، حيث احتفظ بمكانته الدينية والعلمية رغم ما مر به من فترات ازدهار وتراجع، وظل حاضرًا في قلب الأحداث السياسية والاجتماعية والدينية التي شهدتها البلاد على مدار قرون طويلة.

يرجع تاريخ إنشاء الجامع الأزهر إلى العصر الفاطمي، حيث شُيد خلال الفترة ما بين عامي 359 و361 هجريًا الموافقين 970 و972 ميلاديًا، بأمر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، ونفذه القائد جوهر الصقلي بعد دخوله مصر وتأسيس مدينة القاهرة.

ووضع المعز لدين الله حجر الأساس للجامع في الرابع عشر من شهر رمضان عام 359 هجريًا، ليكتمل البناء بعد نحو عامين في رمضان سنة 361 هجريًا. وبعد الانتهاء من تشييده أقيمت فيه أول صلاة، ليصبح منذ ذلك الوقت مركزًا للعبادة ومنبرًا لنشر العلوم الدينية واللغوية والفكرية.

ولم يكن الأزهر مجرد مسجد للصلاة فحسب، بل تحول سريعًا إلى مدرسة علمية كبرى احتضنت حلقات التدريس والمناظرات العلمية، وأصبح مركزًا لنشر المذهب الإسماعيلي الذي كانت تتبناه الدولة الفاطمية آنذاك.

مع سقوط الدولة الفاطمية وصعود الدولة الأيوبية بقيادة صلاح الدين الأيوبي، شهد الأزهر واحدة من أصعب الفترات في تاريخه.

ففي إطار التحولات السياسية والمذهبية التي شهدتها مصر آنذاك، تم إيقاف إقامة صلاة الجمعة والدروس العلمية داخل الجامع الأزهر لفترة طويلة، كما جرى وقف الرواتب والمخصصات التي كانت تقدم للطلاب والعلماء.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن الأزهر ظل بعيدًا عن دوره المركزي لفترة قاربت القرن، في ظل توجه الدولة الأيوبية إلى دعم المدارس السنية الجديدة التي أُنشئت في القاهرة وغيرها من المدن المصرية.

شهدت الدولة المملوكية تحولًا جذريًا في مكانة الأزهر الشريف، حيث أعاد المماليك الاعتبار إلى الجامع العريق، وأطلقوا عملية واسعة لإحيائه علميًا ودينيًا ومعماريًا.

وفي عام 1266 ميلاديًا، أصدر السلطان الظاهر بيبرس قرارًا بإعادة إقامة الصلاة والخطبة في الجامع الأزهر بعد انقطاع طويل، كما أعاد صرف الرواتب للطلاب والعلماء وأمر بترميم أجزاء واسعة من المسجد.

وتؤكد المصادر التاريخية أن أعمال الترميم شملت إصلاح الجدران والأسقف وتجديد المفروشات، إضافة إلى إنشاء منبر جديد أُلقيت عليه أول خطبة بعد عودة الصلاة.

ومع مرور الوقت تحول الأزهر إلى مركز علمي مزدهر يقصده الطلاب من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وشهدت أروقته نشاطًا علميًا واسعًا في علوم القرآن والحديث والفقه واللغة العربية.

خلال القرون التالية، خضع الجامع الأزهر لسلسلة من عمليات التوسعة والتطوير التي أسهمت في زيادة مساحته وتعزيز قدرته على استيعاب أعداد متزايدة من الطلاب والعلماء.

وشهدت أروقته إضافات معمارية متعددة، من بينها أروقة مخصصة للطلاب الوافدين من مختلف البلدان الإسلامية، كما تم إنشاء مرافق جديدة لخدمة العملية التعليمية.

وفي القرن الثامن عشر، قام القازدوغلي بك بإضافة رواق خاص للطلاب المكفوفين، كما أعاد بناء عدد من الأروقة المهمة التي كانت قد تعرضت للتلف، وهو ما عكس حجم الاهتمام الذي حظي به الأزهر خلال تلك الفترة.

ومع دخول العثمانيين إلى مصر، استعاد الأزهر تدريجيًا مكانته بوصفه المؤسسة التعليمية الدينية الأولى في البلاد، وأصبح مركزًا رئيسيًا لتخريج العلماء والقضاة والمفتين.

الأزهر في مواجهة الحملة الفرنسية

عندما وصلت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت إلى مصر عام 1798، وجد المحتلون أن الأزهر يمثل القلب النابض للمجتمع المصري ومركز التأثير الأكبر بين الناس.

ورغم محاولات نابليون استمالة علماء الأزهر وإظهار احترامه للإسلام، فإن هذه المحاولات لم تنجح في كسب تأييد المصريين أو علمائهم.

وسرعان ما تحول الأزهر إلى مركز للمقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي، حيث انطلقت منه شرارة ثورة القاهرة الأولى في أكتوبر 1798.

وخلال الأحداث تعرض الجامع الأزهر لانتهاكات جسيمة، بعدما اقتحمت القوات الفرنسية المسجد، ودنست حرمته، ونهبت محتوياته، وألحقت أضرارًا كبيرة بمكتباته ومرافقه.

إغلاق الأزهر بعد اغتيال كليبر

ازدادت حدة المواجهة بين الأزهر والاحتلال الفرنسي بعد قيام الطالب الأزهري سليمان الحلبي باغتيال الجنرال الفرنسي كليبر.

وأدى الحادث إلى اتخاذ إجراءات قاسية ضد الأزهر، حيث أُغلقت أبوابه لفترة طويلة، وظل المسجد معطلًا حتى انتهاء الاحتلال الفرنسي ووصول القوات العثمانية والبريطانية إلى مصر عام 1801.

وخلال تلك الفترة فقد الجامع عددًا من مقتنياته ومخطوطاته القيمة نتيجة أعمال النهب والتخريب التي صاحبت الاحتلال.

مع تولي محمد علي باشا حكم مصر، بدأت مرحلة جديدة اتسمت بإعادة بناء مؤسسات الدولة الحديثة.

وسعى محمد علي إلى إنشاء نظام تعليمي حديث يعتمد على العلوم الأوروبية، فأنشأ المدارس المتخصصة وأرسل البعثات العلمية إلى الخارج، وهو ما أدى إلى ظهور مؤسسات تعليمية موازية قللت تدريجيًا من احتكار الأزهر للتعليم في مصر.

ورغم ذلك ظل الأزهر محتفظًا بدوره الديني والعلمي، واستمر في تخريج أجيال من العلماء الذين كان لهم تأثير كبير في الحياة الفكرية والدينية.

شهد عهد الخديوي إسماعيل ومن بعده الخديوي عباس حلمي الثاني اهتمامًا ملحوظًا بتطوير الجامع الأزهر.

فقد جرت أعمال واسعة لترميم المباني التاريخية وإعادة تأهيل الواجهة الرئيسية وتطوير الأروقة، كما تمت استعادة العديد من العناصر المعمارية الفاطمية التي كانت قد تعرضت للتغيير عبر العصور.

وساعدت هذه الجهود في الحفاظ على الطابع التاريخي للجامع، مع تحديث مرافقه بما يتناسب مع احتياجات العصر.

خلال العقود الأخيرة، واصل الأزهر أداء دوره بوصفه المرجعية الدينية الأبرز لأهل السنة والجماعة في العالم.

وبرزت دعوات عديدة داخل المؤسسة الأزهرية لتعزيز استقلاليتها، ومن أبرزها المواقف التي تبناها الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، الذي أكد أهمية منح الأزهر مساحة أكبر من الاستقلال ليتمكن من أداء رسالته الدينية والتوعوية بكفاءة.

كما توسع الأزهر في نشاطه العلمي والدعوي، وأصبح مرجعًا عالميًا في القضايا الدينية والفكرية المعاصرة.

يُنظر إلى الأزهر الشريف اليوم باعتباره الحصن الأكبر للفكر الإسلامي الوسطي المعتدل، حيث يتبنى المنهج الأشعري الوسطي الذي يرفض الغلو والتطرف والتكفير.

اقرأ أيضاً.. بين السخرية والإعجاب.. عريس يحتفل بزفافه على ظهر حمار ويخطف الأنظار

 

تم نسخ الرابط