خاص| هل يتحول التصعيد بين تركيا وإسرائيل إلى مواجهة عسكرية؟ صراع النفوذ يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط
تشهد العلاقات بين تركيا وإسرائيل واحدة من أكثر مراحلها توتراً منذ سنوات طويلة، وسط تصاعد غير مسبوق في الخطاب السياسي وتبادل الاتهامات بين قيادتي البلدين.
ورغم أن معظم التقديرات لا ترجح اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة في المدى القريب، فإن المؤشرات الحالية تكشف عن صراع استراتيجي متنامٍ يتجاوز الخلافات الدبلوماسية التقليدية ليصل إلى منافسة على النفوذ وترتيبات القوة في الشرق الأوسط.
ويرى ستيفن صهيوني صحفي سوري أمريكي مختص بالشأن الأمريكي والشرق الأوسط أن الخلاف بين تركيا وإسرائيل لم يعد مرتبطاً فقط بملفات غزة أو سوريا، بل أصبح يعكس رؤيتين متنافستين لمستقبل المنطقة، في وقت تشهد فيه التحالفات الإقليمية تغيرات متسارعة بعد تراجع نفوذ قوى إقليمية أخرى.
أردوغان يصعد لهجته ضد إسرائيل
شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً جديداً من جانب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي اعتبر أن العمليات العسكرية الإسرائيلية المتوسعة في المنطقة باتت تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي والاستقرار الإقليمي.
وخلال حديثه أمام نواب حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي يوم 10 يونيو، قال أردوغان إن الهجمات التي ينفذها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لبنان وسوريا وصلت إلى مرحلة أصبحت تمس تركيا بصورة مباشرة.
كما شدد على أن إعادة إسرائيل إلى الالتزام بالقانون الدولي لم تعد مسؤولية عدد محدود من الدول، بل أصبحت مسؤولية تقع على عاتق المجتمع الدولي بأكمله.
تبادل الاتهامات يفاقم الأزمة
التوتر بين تركيا وإسرائيل ليس جديداً، لكنه دخل مرحلة أكثر حدة خلال السنوات الأخيرة. فقد اتهم أردوغان إسرائيل مراراً بالسعي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط وتأجيج الصراعات الإقليمية.
في المقابل، واصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انتقاد السياسات التركية ودعم أنقرة لحركة حماس، مؤكداً أن تركيا أصبحت تتبنى نهجاً إقليمياً أكثر تشدداً.
وازدادت حدة الأزمة بعد تصريحات وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي، الذي أعرب عن أمله في "تحرير القدس"، وهو ما أثار ردود فعل إسرائيلية غاضبة. ورد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بانتقاد ما وصفه بـ"الأحلام الإمبراطورية العثمانية"، معتبراً أن تركيا تبتعد عن النهج العلماني الذي أسسه مصطفى كمال أتاتورك.
شرق المتوسط.. ساحة التنافس الأكثر حساسية
تعتبر منطقة شرق البحر المتوسط إحدى أبرز ساحات الصراع غير المباشر بين البلدين.
ووفق تحليلات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، تشعر أنقرة بقلق متزايد من تنامي النفوذ الإسرائيلي بعد هجوم السابع من أكتوبر وما أعقبه من عمليات عسكرية إسرائيلية في عدة ساحات إقليمية، بينها لبنان وسوريا واليمن وإيران.
وفي المقابل، عززت تركيا حضورها الإقليمي خلال العقد الأخير عبر تدخلات عسكرية وسياسية في عدد من الملفات، شملت شمال سوريا وليبيا ودعم أذربيجان خلال نزاع ناغورنو قره باغ، فضلاً عن خلافاتها المتكررة مع اليونان وقبرص بشأن الحدود البحرية وموارد الطاقة.
إسرائيل تعيد تقييم تركيا كتهديد استراتيجي
تشير تقارير إسرائيلية إلى أن النظرة الأمنية داخل إسرائيل تجاه تركيا شهدت تحولاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة.
ووفقاً لتوصيات صدرت مطلع عام 2025 عن "لجنة ناغل" الاستشارية المعنية بملفات الأمن والدفاع، تم تصنيف تركيا باعتبارها أحد أبرز التهديدات الاستراتيجية طويلة الأمد لإسرائيل خلال السنوات المقبلة.
كما يرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن صناع القرار في أنقرة يتحركون وفق رؤية جيوسياسية متكاملة، وليست مجرد مواقف سياسية عابرة.
وذهب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت إلى وصف تركيا بأنها "إيران الجديدة"، محذراً من اتساع نفوذها الإقليمي.
سوريا في قلب الصراع الجيوسياسي
تبقى الساحة السورية من أكثر الملفات تعقيداً في العلاقة بين أنقرة وتل أبيب.
فتركيا تنظر بقلق إلى أي انخراط إسرائيلي مع جماعات كردية مسلحة أو بعض الفصائل الأقلوية داخل سوريا، معتبرة أن ذلك قد يؤثر على وحدة الأراضي السورية ويهدد أمنها القومي.
في المقابل، يرى بعض المحللين الإسرائيليين أن التواجد التركي المتنامي داخل سوريا يعكس طموحاً أوسع لإنشاء منطقة نفوذ تمتد من القوقاز حتى المشرق العربي، بما يمنح أنقرة دوراً محورياً في الترتيبات الإقليمية الجديدة.
معسكران متنافسان في الشرق الأوسط
يرى ستيفن صهيوني أن المنطقة تشهد حالياً تشكل اصطفافات استراتيجية جديدة.
ويضم أحد هذه المعسكرات تركيا والسعودية ومصر وباكستان، بينما يضم المعسكر المقابل إسرائيل والهند والإمارات واليونان.
وتسارعت وتيرة هذا الاصطفاف في أعقاب التراجع النسبي لنفوذ إيران وبعض حلفائها نتيجة التطورات والصراعات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
وفي هذا السياق، لخص وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الموقف التركي بقوله إن أزمات فلسطين ولبنان وسوريا واليمن وإيران تعكس في جوهرها ما وصفه بـ"المشكلة الإسرائيلية".
هل تندلع مواجهة عسكرية مباشرة؟
رغم التصعيد السياسي المتواصل، لا يزال معظم الخبراء يستبعدون احتمال اندلاع حرب مباشرة بين تركيا وإسرائيل في المستقبل القريب.
فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو" وتمتلك ثاني أكبر جيش داخل الحلف، بينما تتمتع إسرائيل بتفوق ملحوظ في المجالات التكنولوجية والاستخباراتية والعسكرية.
ومع ذلك، يؤكد محللون أن المواجهة بين الطرفين قائمة بالفعل بأشكال غير مباشرة، تشمل الضغوط السياسية والاقتصادية، وحملات التأثير، والصراعات بالوكالة، والتنافس الدبلوماسي والاستخباراتي.
كما يرى بعض الخبراء الأتراك أن إسرائيل قد تلجأ إلى ممارسة ضغوط سياسية أو اقتصادية على أنقرة عبر شبكات النفوذ الدولية المختلفة.
نظام إقليمي جديد قيد التشكل
تعكس الأزمة الحالية بين تركيا وإسرائيل تحولاً أعمق من مجرد خلاف دبلوماسي عابر.
فمع تغير موازين القوى الإقليمية وتراجع أدوار بعض الفاعلين التقليديين، تبرز أنقرة وتل أبيب باعتبارهما مركزين متنافسين يسعيان إلى التأثير في شكل النظام السياسي والأمني الجديد في الشرق الأوسط.
ويبقى السؤال الأبرز: هل سيظل هذا التنافس محصوراً في إطار الصراع السياسي والاستراتيجي، أم أنه قد يتطور مستقبلاً إلى مستويات أكثر خطورة مع استمرار التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة؟



