رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

بعد رفع السرية عنها.. وثائق صادمة تكشف تجارب أمريكية لاستخدام البعوض كسلاح

البعوض
البعوض

أعادت مجموعة من الوثائق الأمريكية التي رُفعت عنها السرية مؤخرًا تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في تاريخ الحرب الباردة، بعدما كشفت عن برامج بحثية وعسكرية درست خلالها الولايات المتحدة إمكانية استخدام الحشرات، وعلى رأسها البعوض، كوسيلة محتملة لنقل الأمراض في إطار مشروعات مرتبطة بالحرب البيولوجية.

وتفتح هذه الوثائق نافذة جديدة على مرحلة تاريخية اتسمت بالتنافس الحاد بين القوى الكبرى، حيث لم تقتصر المواجهة على سباقات التسلح النووي والتكنولوجي فحسب، بل امتدت إلى البحث عن وسائل غير تقليدية يمكن أن تمنح أي طرف تفوقًا استراتيجيًا في حال اندلاع مواجهة واسعة النطاق.

وتكشف الوثائق عن حجم الاهتمام الذي أولته المؤسسات العسكرية الأمريكية آنذاك لدراسة إمكانات استخدام العوامل البيولوجية والحشرات الناقلة للأمراض ضمن خطط تقييم القدرات العسكرية المستقبلية، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول حدود الأبحاث العسكرية وأخلاقيات تطوير وسائل الحرب غير التقليدية.

وشهدت فترة الحرب الباردة واحدة من أكثر مراحل التاريخ الحديث توترًا، حيث دخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في سباق محموم للتفوق العسكري والعلمي.

وخلال تلك السنوات، لم يقتصر التنافس على تطوير الصواريخ والأسلحة النووية، بل شمل أيضًا مجالات أقل شهرة، من بينها برامج الأسلحة البيولوجية والكيميائية.

وكانت القيادات العسكرية في العديد من الدول الكبرى تبحث عن وسائل جديدة قد تمنحها ميزة استراتيجية في أي صراع محتمل، الأمر الذي دفعها إلى استثمار موارد ضخمة في الدراسات العلمية والتجارب السرية المتعلقة بالعوامل البيولوجية المختلفة.

وفي هذا السياق ظهرت أبحاث متخصصة حول إمكانية الاستفادة من الحشرات الناقلة للأمراض باعتبارها وسيلة يمكن أن تؤثر على التجمعات البشرية أو القوات العسكرية في ساحات القتال.

البعوض في قلب الدراسات العسكرية

وتشير الوثائق التي كشف عنها الجيش الأمريكي إلى أن باحثين عسكريين أجروا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي سلسلة من الدراسات المكثفة بشأن قدرة بعض أنواع البعوض على نقل الأمراض المعدية بين البشر.

وركزت الأبحاث على فهم الخصائص البيولوجية للحشرات، ودراسة أنماط تكاثرها وانتشارها، ومدى قدرتها على البقاء في ظروف بيئية مختلفة بعد إطلاقها في مناطق معينة.

كما تناولت الدراسات تقييم سرعة انتشار الأمراض المنقولة بواسطة الحشرات، ومدى تأثيرها المحتمل على السكان أو القوات العسكرية في حال استخدامها ضمن سيناريوهات الحرب البيولوجية.

وكان الهدف الأساسي من هذه البرامج، بحسب الوثائق، هو استكشاف الإمكانات العسكرية لهذه الوسائل وتقييم جدواها النظرية والعملية ضمن خطط الدفاع والهجوم غير التقليدية.

ومن أبرز ما كشفت عنه الوثائق مشروع عسكري عرف باسم «عملية بيغ باز» أو Operation Big Buzz، والذي نُفذ عام 1955.

وشكل هذا المشروع أحد أشهر التجارب التي أجراها الجيش الأمريكي في مجال دراسة الحشرات الناقلة للأمراض، حيث تضمن إطلاق أعداد كبيرة من البعوض في بيئات تجريبية محددة بهدف مراقبة سلوكها بعد الإطلاق.

وسعى الباحثون من خلال هذه التجربة إلى معرفة المسافات التي يمكن أن يقطعها البعوض، وطبيعة انتشاره الجغرافي، وقدرته على الوصول إلى مناطق مأهولة بالسكان.

كما هدفت التجارب إلى دراسة العوامل البيئية التي تؤثر على بقاء الحشرات ونشاطها، بما في ذلك درجات الحرارة والرطوبة والظروف المناخية المختلفة.

وأصبحت هذه العملية لاحقًا واحدة من أكثر المشاريع التي استشهد بها الباحثون عند الحديث عن تاريخ برامج الحرب البيولوجية الأمريكية خلال فترة الحرب الباردة.

أمراض خطيرة خضعت للدراسة

وتظهر الوثائق أن البرامج البحثية لم تقتصر على دراسة الحشرات ذاتها، بل امتدت إلى الأمراض التي يمكن أن تنقلها تلك الحشرات.

ومن بين الأمراض التي ورد ذكرها في التقارير العسكرية الحمى الصفراء وحمى الضنك وعدد من الأمراض الفيروسية الأخرى المعروفة بقدرتها على الانتشار السريع وإحداث تأثيرات صحية واسعة النطاق.

وكان الباحثون يدرسون طبيعة انتقال هذه الأمراض وإمكانية توظيف الحشرات كوسيلة لنشرها في حال اعتمادها ضمن برامج الحرب البيولوجية إلا أن الوثائق المتاحة للعلن لا تتضمن أدلة تؤكد تنفيذ عمليات عسكرية فعلية استخدمت بعوضًا مصابًا بأمراض معينة ضد أهداف بشرية خلال النزاعات المسلحة.

وتوضح التقارير المنشورة أن غالبية الأنشطة التي جرى توثيقها كانت تندرج ضمن نطاق الأبحاث والتجارب العلمية والعسكرية الخاصة بتقييم الإمكانات النظرية لهذه الوسائل.

هل تم استخدام البعوض كسلاح بالفعل؟

ورغم أن مضمون الوثائق أثار موجة واسعة من التساؤلات والجدل، فإن العديد من الباحثين المتخصصين في تاريخ الأسلحة البيولوجية يؤكدون أهمية التمييز بين مرحلة الدراسة والتطوير وبين مرحلة الاستخدام الفعلي، فوجود أبحاث عسكرية حول وسيلة معينة لا يعني بالضرورة أنها استُخدمت ميدانيًا في العمليات العسكرية.

ويشير المؤرخون إلى أن الكثير من البرامج العسكرية خلال الحرب الباردة كانت تستهدف دراسة جميع الاحتمالات المتاحة، حتى تلك التي لم تتجاوز مرحلة الاختبارات والتقييم النظري.

ولهذا يؤكد الخبراء أن الوثائق الحالية تكشف اهتمامًا بحثيًا وعسكريًا بإمكانية استخدام الحشرات، لكنها لا تقدم دليلًا قاطعًا على تنفيذ هجمات بيولوجية فعلية بواسطة البعوض ضد تجمعات بشرية.

نهاية برنامج الأسلحة البيولوجية الهجومية

ومع نهاية ستينيات القرن الماضي بدأت السياسة الأمريكية تشهد تحولًا مهمًا في التعامل مع ملف الأسلحة البيولوجية.

ففي عام 1969 أعلن الرئيس الأمريكي الراحل Richard Nixon وقف برنامج الأسلحة البيولوجية الهجومية الأمريكي بشكل رسمي.

وشكل القرار نقطة تحول رئيسية في تاريخ هذه البرامج، حيث تبعته خطوات واسعة لتفكيك العديد من الأنشطة المرتبطة بتطوير الأسلحة البيولوجية الهجومية.

كما شاركت الولايات المتحدة لاحقًا في الجهود الدولية الرامية إلى الحد من انتشار هذا النوع من الأسلحة، وانضمت إلى Biological Weapons Convention التي تحظر تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة البيولوجية.

ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ عام 1975، لتصبح أحد أهم الأطر القانونية الدولية المنظمة لهذا المجال.

ويرى الباحثون أن أهمية الوثائق التي رُفعت عنها السرية لا تكمن فقط في تفاصيلها العلمية والعسكرية، بل في قدرتها على تقديم صورة أوضح عن طبيعة المنافسة الدولية التي سادت خلال الحرب الباردة.

فهي تكشف حجم الموارد والجهود التي خصصتها الدول الكبرى لاستكشاف وسائل جديدة وغير تقليدية للحرب، كما تبرز طبيعة التفكير الاستراتيجي الذي كان يحكم المؤسسات العسكرية خلال تلك المرحلة.

اقرأ أيضًا.. بريطانيا تفتح جبهة جديدة ضد الاستيطان.. دعوة رسمية للشركات بوقف أعمالها في الضفة

تم نسخ الرابط