بين مطرقة المتمردين وسندان الوباء.. هجمات دامية تعرقل مكافحة الإيبولا في الكونغو
في وقت تكافح فيه جمهورية الكونغو الديمقراطية لاحتواء تفش جديد لفيروس الإيبولا، تواجه السلطات الصحية تحديا إضافيا يتمثل في تصاعد الهجمات المسلحة شرق البلاد، حيث أدى العنف المتواصل إلى سقوط عشرات الضحايا ونزوح مئات السكان، فضلا عن تعطيل جهود الاستجابة للوباء.
ويحذر مسؤولون وخبراء من أن استمرار انعدام الأمن قد يفاقم انتشار المرض ويقوض الجهود الرامية إلى احتوائه في المناطق الأكثر تضررا.
الهجمات الدامية
أسفرت هجمات المتمردين حول بلدة تعد واحدة من مراكز تفشي فيروس الإيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية عن مقتل أكثر من 30 شخصا خلال الأيام القليلة الماضية، ما زاد من تعقيد الاستجابة للمرض.
وقتل ما لا يقل عن 10 أشخاص في غارات استهدفت ثلاث قرى حول مدينة بيني في إقليم شمال كيفو خلال الساعات الأولى من صباح الأربعاء. بحسب ما ذكرته صحيفة الجارديان.
وتم تحميل قوات التحالف الديمقراطية (ADF)، وهي ميليشيا مرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، مسؤولية الهجمات التي استهدفت قرى ماتيتي ومامولي وكيتوهو في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وقال إسحاق كافالامي، أحد قادة المجتمع المحلي في المنطقة: "سجلنا مبدئيا حوالي 10 وفيات. أضرم متمردو قوات التحالف الديمقراطي النار في الدراجات النارية والمنازل. كما اختطفوا مدنيين، لم يعرف عددهم بعد".
ضحايا ونزوح واسع
وتعرض عدد من السكان لإصابات خطيرة نتيجة عمليات قطع الرؤوس وإطلاق النار، ما تسبب في حالة من الذعر الواسع ودفع مئات الأشخاص إلى الفرار من منازلهم نحو المناطق الحرجية المجاورة. وأفاد شهود عيان بمقتل أكثر من 20 رجلا وامرأة وطفلا، فيما لا يزال عشرات الأشخاص في عداد المفقودين.
وقال مومبيري سيفيا، أحد سكان حي نغاندي في بيني: "بينما كنا نستعد للنوم، سمعنا صراخ الناس طلبا للمساعدة. كان هجوما شنته قوات التحالف الديمقراطي. هربنا من منازلنا مذعورين لإنقاذ حياتنا. وللأسف، في الصباح أدركنا أن جيراننا قد قطعت رؤوسهم".
الإيبولا في مواجهة العنف
وحتى يوم الأربعاء، تم تسجيل 344 حالة إصابة و60 حالة وفاة في تفشي فيروس الإيبولا الذي يضرب مقاطعات شمال كيفو وجنوب كيفو وإيتوري.
وأكد الحاكم العسكري لشمال كيفو في بيان صدر الثلاثاء أن ثلاثة مرضى ثبتت إصابتهم بفيروس الإيبولا فروا من مراكز العلاج في بيني عقب الهجمات التي وقعت يوم السبت.
وأدت الهجمات المسلحة وحالة الخوف السائدة بين السكان إلى تعقيد الجهود الرامية إلى مكافحة التفشي السابع عشر لفيروس الإيبولا في البلاد منذ اكتشاف المرض لأول مرة عام 1976.
وقال ألبرت لوسينج، الناشط في المجتمع المدني بمدينة بيني: "يقتل الإيبولا، لكن ليس بقطع الرأس. إننا نفقد أحباءنا نتيجة فظائع قوات التحالف الديمقراطي. إنه لأمر مرير يصعب تقبله".
مخاوف من انتشار أوسع للمرض
وفقد لوسينج 20 فردا من عائلته في هجمات نسبت إلى قوات التحالف الديمقراطية، معتبرا أن إقناع السكان بدعم جهود مكافحة الإيبولا سيكون أكثر صعوبة في ظل ما يتعرضون له من عنف مستمر.
وأشار قادة محليون إلى أن حركة النزوح الجماعي الناتجة عن الهجمات تزيد من احتمالات انتقال العدوى إلى مناطق جديدة.
وقال لوسينج: "يمكن أن ينتشر المرض من مجتمع إلى آخر. لقد رأينا ذلك بعد الهجوم في نغاندي، حيث فر السكان. وخلال عملية الفرار، يصعب تطبيق إجراءات الاحتواء. وإذا كان من بينهم أشخاص مصابون بفيروس إيبولا، فهذا أمر خطير".
تصاعد الهجمات
وصعدت قوات التحالف الديمقراطية خلال السنوات الأخيرة هجماتها ضد المدنيين والجيش الكونغولي في منطقة بيني. وتؤكد منظمات المجتمع المدني أن نحو 10 آلاف مدني قتلوا على يد هذه الجماعة المسلحة منذ عام 2014.
كما تتهم السلطات الأوغندية الجماعة بارتكاب أعمال عنف وجرائم في المناطق الحدودية داخل أوغندا.
ورغم الحملات العسكرية التي نفذها الجيش الكونغولي بين عامي 2005 و2014، لم تنجح هذه العمليات في القضاء على الجماعة المسلحة. ومنذ عام 2021، يواصل الجيشان الكونغولي والأوغندي تنفيذ عمليات مشتركة لتعقب مقاتلي قوات التحالف الديمقراطية في شمال كيفو وإيتوري.
العنف يهدد جهود الاستجابة الصحية
وقال ريغان ميفيري، الباحث في مركز إيبوتيلي للأبحاث، إن استهداف المدنيين يأتي ردا على العمليات العسكرية الجارية ضد الجماعة المسلحة.
وأضاف: "إن قتل المدنيين بمثابة رادع عسكري، لأنه في كل مرة يتعرض فيها هؤلاء الإرهابيون لهجوم في عمق مناطقهم، يردون بمذبحة للمدنيين".
وأشار إلى أن طبيعة تحركات الجماعة في مجموعات صغيرة داخل مناطق حرجية تجعل من الصعب رصدها أو القضاء عليها، موضحا أن استمرار العمليات العسكرية قد يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا المدنيين.
من جانبها، أكدت حكومة كينشاسا مسؤولية قوات التحالف الديمقراطية عن الهجمات الأخيرة، وشددت على أن مكافحة هذه الجماعة لا تزال أولوية قصوى.
وحذر ميفيري من أن انعدام الأمن في منطقة بيني وغيرها قد يعيد حالة انعدام الثقة تجاه فرق الاستجابة الصحية، كما حدث خلال تفشي الإيبولا بين عامي 2018 و2020، والذي أسفر عن وفاة نحو 2300 شخص.
كما أكد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أن انعدام الأمن في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وخاصة في إقليم إيتوري، يعرقل بشكل خطير جهود الاستجابة لتفشي الإيبولا، محذرا من أن عزل المرضى وبناء الثقة المجتمعية يصبح أمرا بالغ الصعوبة في ظل استمرار أعمال العنف.


