أعظم الأعمال التي ترفع صاحبها إلى مراتب الإخلاص والرضوان.. الأزهر يوضحها
في وقت يتسابق فيه المسلمون إلى الطاعات والأعمال الصالحة طلبًا لرضا الله سبحانه وتعالى، كشف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف عن حقيقة مهمة تتعلق بميزان قبول الأعمال عند الله عز وجل، مؤكدًا أن العبرة ليست بكثرة العمل أو ظهوره أمام الناس، وإنما بما يحمله القلب من إخلاص وصدق وتجرد من طلب الثناء والمدح.
وجاء توضيح المجمع ردًا على تساؤل حول أفضل الأعمال وأرجاها للقبول عند الله تعالى، وهو السؤال الذي يشغل أذهان الكثيرين ممن يحرصون على اغتنام مواسم الخير والطاعة، ويسعون لمعرفة الطريق الأقرب إلى رضا الله والفوز بثوابه.
وأكد المجمع أن من أعظم ما يرجى به قبول العمل أن يؤديه العبد خالصًا لله تعالى، دون أن يظل أسيرًا لرؤيته أو منشغلًا باستحضاره والتفاخر به، مشيرًا إلى أن العمل الذي ينساه صاحبه بعد أدائه ويحتقره أمام نعم الله وفضله، يكون أقرب إلى القبول وأبعد عن آفات النفس.
أوضح مجمع البحوث الإسلامية أن من أعمق المعاني التربوية في باب الإخلاص أن يغيب العمل الصالح عن نظر صاحبه بعد أدائه، فلا يظل يستعرضه في ذهنه أو يتحدث عنه بين الناس أو يطلب به مكانة أو منزلة.
وأكد المجمع أن العبارة التي تقول: «لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده» تحمل دلالات إيمانية عميقة، إذ تشير إلى أن المؤمن الصادق لا يرى نفسه صاحب فضل، ولا يظن أنه أدى ما يستحق الثناء عليه، بل يبقى دائمًا مستشعرًا نعمة الله عليه، وخائفًا من التقصير، راجيًا رحمته ومغفرته.
فكلما ازداد العبد قربًا من الله، ازداد شعوره بحاجته إلى مزيد من الطاعة والاستغفار، وكلما عظمت معرفته بربه، صغر عمله في عينه مهما بلغ من الخير.
الإعجاب بالنفس.. آفة قد تسرق بركة الطاعات
وحذر المجمع من خطورة انشغال الإنسان بمراقبة أعماله الصالحة والإعجاب بها، موضحًا أن ذلك قد يتحول إلى باب من أبواب الرياء والعجب، وهما من أخطر الأمراض القلبية التي تهدد صفاء العبادة.
فقد يؤدي استحضار العمل بصورة دائمة إلى تعلق القلب بالعمل نفسه بدلاً من التعلق بالله سبحانه وتعالى، فينشغل الإنسان بما قدمه من طاعات أكثر من انشغاله بالمنعم الذي وفقه إليها.
وأشار المجمع إلى أن من علامات العمل المقبول أن يرفع الله أثره من قلب صاحبه، فلا يظل منشغلًا به، وإنما يواصل السير في طريق الطاعة دون توقف أو غرور، واضعًا نصب عينيه رضا الله وحده.
وفي سياق الحديث عن أفضل الأعمال، يلفت العلماء الأنظار إلى الفترة الممتدة من أذان الفجر وحتى شروق الشمس، باعتبارها واحدة من أعظم الأوقات التي تتنزل فيها الرحمات وتفتح فيها أبواب الطاعات.
وتتميز هذه الساعات المباركة بأنها تجمع بين الصلاة والذكر والدعاء وتلاوة القرآن، وهي عبادات تمنح المسلم بداية روحانية مميزة ليومه، وتساعده على مواجهة أعباء الحياة بقلب مطمئن ونفس مستقرة.
الترديد خلف المؤذن
من أول الأعمال المستحبة بعد سماع أذان الفجر أن يردد المسلم كلمات المؤذن كما يقولها، وعندما يصل المؤذن إلى قول: «حي على الصلاة» و«حي على الفلاح» يجيب المسلم بقوله: «لا حول ولا قوة إلا بالله».
وتحمل هذه الكلمات معاني الاستعانة بالله والافتقار إليه، وتذكّر المؤمن بأن القوة الحقيقية والتوفيق الكامل لا يكونان إلا بعون الله تعالى.
الدعاء بعد الأذان
ومن الأعمال العظيمة كذلك الدعاء عقب الأذان، وسؤال الله تعالى أن يمنح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة والمقام المحمود الذي وعده به.
ويُعد هذا الدعاء من السنن الثابتة التي ورد الحث عليها في الأحاديث النبوية الشريفة، لما تحمله من فضل عظيم وثواب كبير.
بين الأذان والإقامة.. دقائق تفتح أبواب السماء
يؤكد العلماء أن الوقت الواقع بين الأذان والإقامة يعد من المواطن المباركة التي يرجى فيها استجابة الدعاء.
ولهذا يستحب للمسلم أن يغتنم هذه اللحظات في الاستغفار والدعاء والتضرع إلى الله، وأن يلح عليه في طلب الخير وصلاح الدين والدنيا والآخرة.
سنة الفجر وفريضتها.. من أعظم شعائر اليوم
تحظى صلاة الفجر بمكانة خاصة في الإسلام، فهي الصلاة التي تشهدها الملائكة، وهي بداية يوم المؤمن.
كما تأتي ركعتا السنة قبل الفريضة في منزلة عظيمة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم حث عليهما وداوم على أدائهما، لما فيهما من فضل وأجر كبيرين.
أما أداء الفريضة نفسها، خاصة في جماعة، فيبقى من أعظم الأعمال التي ترفع الدرجات وتمحو السيئات وتملأ حياة المسلم بالبركة والنور
بعد الانتهاء من صلاة الفجر، يستحب للمسلم أن يبقى في مصلاه مشتغلًا بذكر الله وقراءة القرآن الكريم والتسبيح والاستغفار.
وتعد هذه الفترة من أنقى الأوقات الروحية التي يعيشها المؤمن، حيث يصفو القلب وتطمئن النفس ويزداد الارتباط بالله تعالى.
وفي باب الإنفاق والصدقات، استشهد العلماء بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة أو خير الصدقة عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول».
ويشير الحديث إلى أهمية أن يكون الإنفاق قائمًا على الحكمة والاعتدال، بحيث لا يضر الإنسان نفسه أو أسرته بسبب الصدقة، بل يحقق التوازن بين واجباته الأسرية ورغبته في فعل الخير.
فالإسلام لا يدعو إلى التبذير أو التفريط في حقوق الأهل، وإنما يحث على البذل المسؤول الذي يحقق مصلحة الفرد والمجتمع معًا.
وفي جانب آخر من أبواب الخير، أكد الدكتور علي جمعة، مفتي الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الكلمة الطيبة تمثل واحدة من أعظم صور الرحمة التي يمكن للإنسان أن يقدمها للآخرين.
وأوضح أن المسلم يستطيع أن يصنع بالكلمة الحسنة ما قد تعجز عنه الأموال أحيانًا، فالكلمة الصادقة قد ترفع معنويات إنسان محبط، أو تواسي قلبًا حزينًا، أو تصلح علاقة متوترة، أو تنشر الأمل في النفوس.
القرآن الكريم يرسم صورة خالدة للكلمة الحسنة
واستشهد الدكتور علي جمعة بالآيات الكريمة التي شبهت الكلمة الطيبة بالشجرة المباركة ذات الجذور الثابتة والفروع الممتدة في السماء.
وهذا التشبيه القرآني البديع يوضح أن الكلمة الحسنة ليست أمرًا عابرًا، بل هي عمل متجدد الأثر، يستمر نفعه ويظل تأثيره قائمًا عبر الزمن.
فالكلمات الطيبة قد تتحول إلى أعمال، والأعمال إلى سلوكيات، والسلوكيات إلى قيم راسخة تنتقل بين الأفراد والأجيال.
وأشار الدكتور علي جمعة إلى الأحاديث النبوية التي تؤكد أن كلمة واحدة قد تكون سببًا في رضا الله عن العبد ودخوله الجنة، بينما قد تكون كلمة أخرى سببًا في هلاكه إذا خرجت منه دون وعي أو تدبر.
وهذا المعنى يبرز خطورة اللسان وعظمة المسؤولية الملقاة على عاتق الإنسان فيما ينطق به، إذ إن الكلمات لا تذهب سدى، وإنما تكتب وتحاسب عليها النفوس يوم القيامة.
اقرأ أيضاً.. دعاء طواف الوداع.. الكلمات الأخيرة في رحاب البيت الحرام