رئيس مجلس الإدارة
رضا سالم
رئيس التحرير
نصر نعيم

جنوب لبنان تحت النار.. قرى مُحيت من الخريطة ونازحون يروون مأساة الإبادة العمرانية؟

صور أقمار صناعية
صور أقمار صناعية لجنوب لبنان

يتواصل التصعيد العسكري في جنوب لبنان وسط غارات إسرائيلية متواصلة منذ الثاني من مارس الماضي، مخلفة دماراً واسعاً طال القرى الحدودية والبنية التحتية والمنازل والأراضي الزراعية. 

وبين شهادات النازحين وصور الأقمار الاصطناعية وتقارير الجهات الرسمية، تتكشف ملامح كارثة إنسانية وعمرانية غير مسبوقة، دفعت مسؤولين لبنانيين إلى وصف ما يجري بأنه “إبادة عمرانية” تستهدف اقتلاع السكان ومحو الذاكرة الجماعية للمنطقة الحدودية.

صور تظهر حجم الدمار بجنوب لبنان
صور تظهر حجم الدمار بجنوب لبنان

دمار واسع يمحو بلدات كاملة في جنوب لبنان

كشفت شهادات سكان نازحين ومسؤولين محليين، إلى جانب صور ملتقطة عبر الأقمار الاصطناعية، عن حجم الدمار الكبير الذي أصاب مناطق واسعة في جنوب لبنان نتيجة الغارات الإسرائيلية المستمرة. 

وأكدت السلطات اللبنانية أن أكثر من 50 ألف وحدة سكنية تعرضت للتدمير أو الأضرار منذ اندلاع المواجهات بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله.

ووصف مسؤولون لبنانيون ما حدث بأنه عملية ممنهجة لتفريغ المناطق الحدودية من سكانها، مؤكدين أن بلدات كاملة تعرضت للمحو شبه الكامل من الخريطة، خاصة القرى القريبة من الحدود الجنوبية.

نازحون: الحرب سرقت المنازل والذكريات

فرح، وهي أم لطفلتين تبلغ من العمر 33 عاماً، اضطرت للنزوح من بلدة يارون الحدودية إلى بيروت، تحدثت بمرارة عن حجم الخسارة التي تعرضت لها عائلتها. 

وقالت إن البلدة تدمرت بالكامل، ولم يتبق سوى الذكريات وبعض الصور القديمة التي يحاول الأهالي الاحتفاظ بها حتى لا تضيع ملامح المكان من الذاكرة.

وأضافت أن الحرب لم تسلبهم المنزل فقط، بل أخذت معهم سنوات الطفولة والحياة والذكريات، بعدما علمت عبر صور الأقمار الاصطناعية أن منزلها تعرض للتدمير الكامل.

وامتد الدمار ليطال المدارس والمرافق العامة ودور العبادة والأراضي الزراعية، خاصة مع تصاعد عمليات القصف والنسف والتجريف خلال الأسابيع الأخيرة، رغم سريان الهدنة المعلنة بين حزب الله وإسرائيل في 17 أبريل الماضي.

صور الأقمار الاصطناعية تكشف حجم الكارثة

لجأ العديد من النازحين إلى شراء صور حديثة عبر الأقمار الاصطناعية لمعرفة مصير منازلهم، بعدما مُنع سكان عدة مناطق حدودية من العودة إليها. 

ووثق ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي صوراً صادمة للمنازل قبل تدميرها وبعده.
وفي بلدة يارون، أظهرت صور الأقمار الاصطناعية دمار غالبية المنازل، حيث تم تدمير نحو 580 منزلاً من أصل 800 خلال الحرب السابقة بين عامي 2023 و2024، قبل أن تأتي الحرب الأخيرة على ما تبقى من البلدة تقريباً.

كما تعرضت كنيسة القديس جاورجيوس لأضرار بالغة، ولم يبق منها سوى ثلاثة جدران فقط، بحسب تحليل الصور الجوية الحديثة.

بنت جبيل.. مدينة تحولت إلى أنقاض خلال أسابيع

مدينة بنت جبيل كانت من أبرز المناطق التي تعرضت لدمار واسع خلال الفترة الأخيرة.

فبحسب مراجعة صور الأقمار الاصطناعية، لم تكن المدينة تظهر دماراً كبيراً مطلع أبريل، لكن بعد أسابيع قليلة فقط بدت أجزاء واسعة منها مدمرة بالكامل.

وشمل الدمار ملعب بنت جبيل الشهير، الذي شهد في عام 2000 خطاب “التحرير” للأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله عقب انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان.

مسؤولون لبنانيون يتهمون إسرائيل بـ”الإبادة العمرانية”

في العاصمة اللبنانية بيروت، عرض المجلس الوطني للبحوث العلمية صوراً توثق حجم التدمير في بنت جبيل وبلدات أخرى، مؤكداً أن جزءاً كبيراً من عمليات التفجير والتلغيم تم خلال فترة الهدنة.

وقال الأمين العام للمجلس شادي عبدالله إن ما يجري يتجاوز العمليات العسكرية التقليدية، معتبراً أن الهدف هو “تدمير الأرض والبشر والحجر”، مشيراً أيضاً إلى استخدام قذائف فوسفورية وعنقودية تسببت في أضرار واسعة بالأراضي الزراعية.

واتهم المجلس إسرائيل بتنفيذ ما وصفه بـ”الإبادة العمرانية”، وهي استراتيجية تهدف إلى إزالة مناطق كاملة من الخريطة ومحو ذاكرة السكان ودفعهم لعدم العودة إليها.

أرقام صادمة للخسائر البشرية والعمرانية

أظهرت بيانات المجلس الوطني للبحوث العلمية أن الهجمات الإسرائيلية منذ عام 2023 تسببت في تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 290 ألف وحدة سكنية، بينها 61 ألف وحدة منذ اندلاع الحرب الأخيرة.

كما تم تسجيل تدمير كامل لنحو 6 آلاف وحدة سكنية خلال فترة الهدنة فقط، مقابل أضرار جزئية لحقت بآلاف المباني الأخرى المهددة بالهدم لاحقاً.

في المقابل، أعلنت السلطات اللبنانية أن أكثر من 3 آلاف شخص قتلوا جراء القصف الإسرائيلي الذي استهدف مناطق مختلفة من لبنان.

مفاوضات متعثرة وتصعيد مستمر.. هل تنجح الهدنة في وقف النزيف؟

رغم بدء محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن الشهر الماضي، وهي الأولى من نوعها منذ عقود، فإن التصعيد الميداني لم يتوقف، حيث واصلت إسرائيل تنفيذ غارات وعمليات نسف في المناطق الحدودية، مؤكدة أنها تستهدف مواقع وعناصر تابعة لحزب الله.

كما وسعت القوات الإسرائيلية نطاق إنذارات الإخلاء لتشمل بلدات ومناطق بعيدة نسبياً عن الحدود، ما زاد من موجات النزوح والقلق بين المدنيين.

ومع استمرار المشهد العسكري المتوتر، يبقى السؤال الأبرز: هل تتحول الهدنة الحالية إلى خطوة حقيقية نحو إنهاء الحرب، أم أن جنوب لبنان مقبل على موجة جديدة من الدمار والنزوح؟

تم نسخ الرابط