الإفتاء تحسم الجدل الفقهي حول الطواف على الكرسي المتحرك
حسمت دار الإفتاء المصرية الحكم الشرعي المتعلق بجواز أداء الطواف حول الكعبة المشرفة باستخدام الكرسي المتحرك، موضحة أن المسألة ليست محل منع مطلق كما يظن البعض، بل تخضع لضوابط فقهية دقيقة تستند إلى حال الطائف وقدرته على الحركة.
وأكدت الدار أن استخدام الكرسي المتحرك في الطواف جائز وصحيح شرعًا إذا كان هناك عذر معتبر يمنع القدرة على المشي، سواء كان مرضًا أو عجزًا جسديًا أو حالة تستدعي التيسير، وهو ما اتفقت عليه أصول الفقهاء في الجملة، باعتبار أن الشريعة قائمة على رفع الحرج والتيسير على المكلفين.
وأوضحت دار الإفتاء أن الطواف على الكرسي المتحرك عند وجود عذر طبي أو جسدي يُعد طوافًا مجزئًا صحيحًا شرعًا، ولا يلزم معه الإعادة، إذ إن المقصود من العبادة هو أداء النسك بالكيفية المتاحة للمكلَّف دون مشقة خارجة عن طاقته.
ويأتي هذا الحكم منسجمًا مع القواعد العامة في الشريعة الإسلامية التي تقرر أن "المشقة تجلب التيسير"، وأن العبادات لا تُكلف بما لا يُطاق، وهو ما يجعل الكرسي المتحرك وسيلة مشروعة عند العجز عن المشي.
وشددت دار الإفتاء على أن الأصل في أداء الطواف هو المشي على الأقدام لمن كان قادرًا ومستطيعًا، باعتبار أن ذلك هو الهيئة المعتادة التي وردت بها النصوص الشرعية.
واستدل العلماء على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، حيث يفهم منه أن الطواف عبادة بدنية يُؤدى فيها الفعل المباشر ما دام الإنسان قادرًا عليه، ولا يُنتقل إلى البدائل إلا عند وجود ضرورة أو عذر معتبر.
وفي سياق التأصيل الشرعي، أشارت دار الإفتاء إلى ما ورد في حديث السيدة أم سلمة رضي الله عنها، حين اشتكت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من شدة المرض، فأذن لها بالطواف راكبة من وراء الناس، وهو ما يُفهم منه أن الركوب في الطواف رخصة شرعية تُمنح عند الحاجة.
ويُعد هذا الدليل من أبرز النصوص التي اعتمد عليها الفقهاء في تقرير جواز الطواف على الراحلة أو ما يقوم مقامها عند العجز، وهو ما ينطبق في العصر الحديث على الكراسي المتحركة باعتبارها وسيلة مساعدة للحركة.
وبينت دار الإفتاء أن المذاهب الفقهية الأربعة الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة قد اتفقت في الجملة على جواز الطواف راكبًا عند وجود العذر، مع اختلافات في بعض التفاصيل.
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى اشتراط المشي للقادر، مع صحة الطواف راكبًا عند العجز.
بينما رأى الشافعية أن المشي ليس شرطًا لصحة الطواف، وإنما هو من الكمالات والهيئات المستحبة، وليس من أركان الصحة.
وبذلك يتضح أن أصل المسألة قائم على التيسير، وأن اختلاف الفقهاء يدور حول الكمال لا حول أصل الصحة في حال وجود العذر.
أما في حالة استخدام الكرسي المتحرك دون وجود عذر طبي أو حاجة معتبرة، فقد أوضحت دار الإفتاء أن المسألة محل خلاف بين الفقهاء.
فقد ذهب جمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة في أحد أقوالهم إلى أن ترك المشي دون عذر يُعد مخالفًا للأولى، وقد يوجب عند بعضهم إعادة الطواف أو تقديم فدية (دم)، إذا لم يُعد الطواف على وجهه الأكمل.
في المقابل، ذهب الشافعية ورواية عند الحنابلة إلى صحة الطواف حتى مع الركوب دون عذر، معتبرين أن المقصود الأساسي من العبادة هو تحقق الطواف ذاته حول البيت الحرام، لا الوسيلة التي تم بها الأداء.
واستند أصحاب هذا القول إلى ما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طاف في حجة الوداع على بعير، وهو ما اعتُبر دليلاً شرعيًا على جواز الطواف راكبًا، سواء لبيان الحكم أو لوجود سبب يقتضي ذلك.