أرباح الألعاب الإلكترونية بين الحلال والحرام.. دار الإفتاء تحسم الجدل
في السنوات الأخيرة، تحولت الألعاب الإلكترونية من مجرد وسيلة للترفيه وقضاء أوقات الفراغ إلى صناعة ضخمة تدر مليارات الدولارات حول العالم، وأصبح كثير من الشباب يحققون أرباحًا مالية من خلال المشاركة في البطولات الإلكترونية أو البث المباشر أو جمع المكافآت داخل الألعاب المختلفة. ومع هذا الانتشار الواسع، تزايدت التساؤلات حول الحكم الشرعي للأموال المكتسبة من تلك الألعاب، وهل تعد حلالًا أم تدخل ضمن صور الكسب المحرم؟
وفي هذا السياق، كشف الشيخ محمد كمال، أمين الفتوى بـ دار الإفتاء المصرية، عن الرؤية الشرعية المتعلقة بالأرباح الناتجة عن الألعاب الإلكترونية، موضحًا الضوابط التي تجعل هذا النوع من الكسب جائزًا أو محرمًا.
وأوضح أمين الفتوى، خلال ظهوره في برنامج «فتاوى الناس» المذاع عبر قناة الناس، أن الأصل الشرعي في الألعاب الإلكترونية هو الجواز والإباحة، ما دامت لا تتضمن أي محاذير شرعية أو أخلاقية.
وأشار إلى أن الإسلام لا يمنع الترفيه المباح، بل يقرّ حاجة الإنسان إلى الترويح عن النفس، لكن ذلك يجب أن يكون في إطار منضبط لا يخرجه عن حدود الاعتدال أو يدفعه إلى الوقوع في المخالفات.
وأكد أن الحكم الشرعي لا يتعلق بمجرد اللعب ذاته، وإنما يتوقف على طبيعة اللعبة، والمحتوى الذي تقدمه، والأسلوب الذي يتم من خلاله تحقيق الأرباح المالية.
وبيّن الشيخ محمد كمال أن هناك مجموعة من الضوابط الأساسية التي يجب توافرها حتى تكون الألعاب الإلكترونية جائزة شرعًا، وفي مقدمتها ألا تحتوي اللعبة على أمور محرمة في ذاتها، مثل نشر العنف المفرط أو الأفكار المخالفة للقيم والأخلاق أو المشاهد غير اللائقة.
كما شدد على ضرورة ألا تؤدي الألعاب إلى الانشغال عن أداء الفرائض والواجبات الأساسية، موضحًا أن أي نشاط ترفيهي يتحول إلى سبب في تضييع الصلاة أو إهمال الدراسة أو التقصير في مسؤوليات الأسرة والعمل يصبح أمرًا مذمومًا شرعًا.
وأضاف أن التوازن يمثل عنصرًا أساسيًا في التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، خاصة مع الانتشار الكبير للألعاب الإلكترونية بين الأطفال والشباب، وما قد يترتب على الإفراط فيها من آثار سلبية على الحياة اليومية.
وأكد أمين الفتوى أن الضابط الأهم في المسألة يتعلق بطبيعة الأرباح المالية الناتجة عن الألعاب الإلكترونية، موضحًا أن الحكم يختلف بحسب الوسيلة التي يتم من خلالها تحقيق المكسب.
وأشار إلى أنه إذا كانت اللعبة قائمة على القمار أو المراهنات أو تعتمد على الغرر والتدليس والخداع والغش، فإن الأموال الناتجة عنها تكون محرمة شرعًا، لأنها تدخل ضمن صور الكسب غير المشروع الذي نهى عنه الإسلام.
وأوضح أن بعض الألعاب تعتمد على دفع الأموال مقابل احتمالات مجهولة للفوز، أو تقوم على المراهنة بين اللاعبين، وهي صور تقترب من المقامرة المحرمة شرعًا، حتى وإن ظهرت في شكل ترفيهي حديث.
وأضاف أن الشريعة الإسلامية وضعت قواعد واضحة في باب المعاملات المالية، تقوم على الشفافية والوضوح ومنع الاستغلال والخداع، ولذلك فإن أي وسيلة تؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل لا يجوز التعامل بها.
وخلال حديثه، استشهد الشيخ محمد كمال بقاعدة فقهية مهمة قررها العلماء، وهي أن «مقدمة الحرام حرام»، موضحًا أن أي طريق يؤدي إلى كسب غير مشروع أو يفتح بابًا للغش والخداع أو المقامرة، فإنه يأخذ حكم التحريم.
وأشار إلى أن هذه القاعدة تهدف إلى حماية المجتمع من صور الاستغلال المالي والانحرافات الاقتصادية التي قد تظهر بوسائل حديثة ومتطورة، مؤكدًا أن تغير الوسائل لا يغير الحكم إذا بقيت العلة الشرعية نفسها.
وبيّن أن بعض التطبيقات والألعاب قد تبدو في ظاهرها ترفيهية، لكنها في حقيقتها تعتمد على استنزاف أموال المستخدمين بطرق غير واضحة أو تقوم على الإدمان والمقامرة المقنعة، وهو ما يستوجب الحذر والتدقيق قبل المشاركة فيها.
وفي المقابل، أوضح أمين الفتوى أن الألعاب الإلكترونية إذا خلت من المقامرة والغش والخداع، وكانت قائمة على المنافسة المشروعة والمهارة الحقيقية، فإن الأرباح الناتجة عنها تكون جائزة شرعًا.
وأشار إلى أن الحصول على مقابل مالي نتيجة الفوز في منافسات تعتمد على الجهد والمهارة والتدريب لا حرج فيه، طالما تم في إطار مشروع وواضح وخالٍ من المحاذير الشرعية.
كما أكد أن التطور التكنولوجي أوجد مجالات جديدة للكسب والعمل، والشريعة الإسلامية تتعامل مع هذه المستجدات بمرونة، شريطة الالتزام بالقيم والأحكام الشرعية المنظمة للمعاملات.
ولم يقتصر حديث أمين الفتوى على الجانب المالي فقط، بل حذر أيضًا من الإفراط في استخدام الألعاب الإلكترونية، مشيرًا إلى أن الاستخدام المبالغ فيه قد يؤدي إلى أضرار صحية ونفسية واجتماعية خطيرة.
وأوضح أن بعض الدراسات الحديثة ربطت بين الإدمان الإلكتروني وبين اضطرابات النوم والعزلة الاجتماعية وضعف التركيز والتوتر العصبي، فضلًا عن تأثيره السلبي على التحصيل الدراسي والعلاقات الأسرية.